ثورة ليبيا تُحبط هجمات القذافي المضادة ... وتمهّد لرحيله
بدا، أمس، أن محاولات الرئيس الليبي معمّر القذافي تغيير المعادلة الميدانية التي ما زالت تميل لمصلحة الثوار، تواجه إخفاقات متلاحقة، بعدما فشلت قواته في السيطرة على بلدة البريقة الاستراتيجية في شرقي البلاد، برغم احتلالها لبضع ساعات، فيما لوّح الثوار مجدداً بخيار الزحف العسكري من الشرق باتجاه طرابلس وبقية المدن الغربية الواقعة تحت سيطرة النظام، ما لم يسرع القذافي في إعلان تنحيه عن السلطة، متحدثين عن مفاوضات سرية بدأت فعلاً لترتيب رحيله من ليبيا، في وقت بدت الولايات المتحدة مترددة في الحديث عن تدخل عسكري غربي، بعد ما ظهر من خلافات بين الدول الغربية في هذا الشأن، وبعدما أعرب المعارضون الليبيون عن رفضهم لأي عمل عسكري يشوّه صورة ثورتهم.
وفشل نظام الرئيس الليبي معمر القذافي، أمس، في استعادة زمام المبادرة الميدانية، عندما تمكن الثوار من صد الهجوم المضاد الذي شنته قواته على بلدة البريقة التي فيها مرفأ نفطي حيوي صباحا. وتدفق الثوار الليبيون، وبحوزتهم مدافع مضادة للطائرات وصواريخ مضادة للدبابات وبنادق كلاشنيكوف وقنابل بنزين محلية الصنع، على الطريق المؤدي إلى البريقة (780 كيلومترا إلى الشرق من طرابلس) لدعم دفاعاتهم، في خط المواجهة الواقع قرب بلدة العقيلة على بعد 40 كيلومترا غربي البريقة. وكانت قوات القذافي قد استبقت الهجوم بشن سلسلة غارات جوية على البريقة، وأخرى على اجدابيا المجاورة.
ودعا المجلس الوطني الليبي، الذي أنشأه المتمردون، الثوار إلى توجيه ضربات جوية بتأييد من الأمم المتحدة على المرتزقة الذين يستخدمهم القذافي ضد شعبه، مشيراً إلى أن هذا الأمر لا يعني بأي شكل من الأشكال القبول بالتدخل العسكري الأجنبي. وشدد على أنّ قوات المعارضة في الشرق مستعدة للزحف غربا إذا رفض القذافي التنحي. (تفاصيل ص 13)
القذافي
وأطل القذافي، يوم أمس، مجدداً ليعلن خلال احتفال أقيم في طرابلس لمناسبة الذكرى الرابعة والثلاثين لإعلان قيام «سلطة الشعب»، رفضه التنحي عن السلطة، حيث إن الشعب هو المسؤول عن السلطة، وإن النظام الليبي هو نظام «سلطة الشعب» وليس نظام رئيس أو حكومة أو حزب، نافياً وجود تظاهرات في ليبيا، غير تلك المؤيدة له.
وألقى القذافي مسؤولية ما حدث في ليبيا على ما وصفه بأنه «خلايا صغيرة نائمة تتبع لتنظيم «القاعدة»». وقال إنه مستعد لبحث تغيير دستوري وقانوني من دون اللجوء إلى السلاح أو الفوضى، وأنه مستعد حتى للتحدث مع «القاعدة».
وحذر القذافي من أنه إذا دخلت الولايات المتحدة أو قوى أجنبية ليبيا فستواجه حربا دامية، متحدثاً عن «مؤامرة» لـ«السيطرة على النفط الليبي» و«استعمار ليبيا». كما هدد باستبدال شركات النفط الغربية العاملة في ليبيا، والتي سحبت عمالها بسبب أعمال العنف التي تشهدها البلاد، بشركات صينية وهندية.
من جهته، توقع ابن القذافي، سيف الإسلام، أن يقضي النظام على الثورة في بلاده «في غضون يومين». وقال سيف الإسلام، في مقابلة مع صحيفة «لو فيغارو» الفرنسية، «صحيح أن هناك اضطرابات في شرق البلاد... لقد لقي مئات قليلة من الأشخاص حتفهم هناك. وخلال يومين، سيعود كل شيء كما كان».
في المقابل قال معارضون ليبيون إن مفاوضات تجري بعيدا عن أضواء الإعلام بين القذافي وعواصم غربية لترتيب مغادرته ليبيا. ونقلت شبكة «برق» الليبية المعارضة عن قيادات معارضة تُقيم حاليا في الدوحة، ان القذافي لن يُقتل في قلعته المُحصَّـنة في باب العزيزية ولن ينتحر، بل سيأخذ عصا التـرحال ليستقر في المنفى، بعد استكمال المفاوضات الجارية بينه وبين واشنطن بالاشتراك مع عواصم أخرى، من بينها برلين ولندن وباريس.
ونقلت «برق» عن مسؤول ليبي ان المفاوضات الجارية ترمي لإعطاء الضمانات للقذافي وأفراد من عائلته ومعاونيه المقرّبين للانتقال إلى المنفى في صربيا أو أبو ظبي، مشيراً إلى أنّ الوسيطين اللذين يديران هذه
المفاوضات، هما مندوب ليبيا لدى الأمم المتحدة عبد الرحمن شلقم، ورئيس الاستخبارات الخارجية أبو زيد عمر دوردة.
واشنطن
إلى ذلك، استبعدت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون اتخاذ قرار قريبا بفرض منطقة حظر جوي فوق ليبيا. وقالت كلينتون في كلمة أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي إن الولايات المتحدة «لا تزال بعيدة عن اتخاذ قرار» بشأن إقامة منطقة حظر جوي فوق ليبيا، داعية إلى التروي والحذر.
وأشارت كلينتون إلى أن المخرج للأزمة الليبية «لا يزال غير واضح». مشيرة الى انه «من أكبر مخاوفنا أن تنزلق ليبيا إلى الفوضى وتصير صومالَ كبيرا»، لكنها أوضحت أن «هذا أمر لا نتوقعه حاليا، غير أن كثيرا من ناشطي القاعدة في أفغانستان ومن ثم العراق جاؤوا من ليبيا وجاؤوا من شرق ليبيا الذي يسمى الآن منطقة ليبيا الحرة».
بدوره، قال وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس، خلال جلسة استماع عقدها مجلس النواب الأميركي، إن فرض منطقة حظر جوي على ليبيا، يعني مهاجمتها أولا لتدمير مواقعها الخاصة بالدفاع الجوي. وأوضح ان فرض منطقة حظر جوي يعد عملية معقدة لأنها تتطلب عدداً أكبر من الطائرات الحربية، أكثر من عدد المقاتلات التي قد تكون على متن حاملة طائرات منفردة.
وكان مجلس الشيوخ الأميركي قد تبنى، بالإجماع، قرارا رمزيا يدين القمع في ليبيا ويطلب من الأسرة الدولية إقامة منطقة حظر جوي فوق ليبيا. ويدعو القرار القذافي إلى «وقف أعمال العنف والاعتراف برغبة الشعب الليبي بالحصول على إصلاحات ديموقراطية والاستقالة وإفساح المجال امام عملية انتقالية ديموقراطية سلمية». كما يحث القرار مجلس الأمن الدولي على «اتخاذ إجراءات ضرورية».
وقال رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ جون كيري إن على المجتمع الدولي أن يستعد لفرض منطقة لحظر الطيران فوق ليبيا لمنع الهجمات التي يشنها الزعيم الليبي معمر القذافي على المدنيين، موضحاً أن «فرض حظر للطيران ليس اقتراحا للأجل الطويل.. وأعتقد أن علينا أن نكون مستعدين لفرضها بحسب الضرورة».
يأتي ذلك، في وقت عبرت السفينتان الحربيتان الأميركيتان «يو أس أس كيرسارج» و«يو أس أس بونسي»، صباح أمس، قناة السويس، باتجاه منطقة قريبة من ليبيا في البحر المتوسط. وكانت المدمّرة «باري» قد عبرت أمس الأول قناة السويس، وهي الآن في جنوبي البحر المتوسط.
وقال مسؤولان أميركيان في وزارة الدفاع إن السفينة «كيرسارج» تحمل 42 مروحية عسكرية، وهي، إلى جانب السفينة «بونسي» تنقل نحو 400 من مشاة البحرية الأميركية، موضحين «اننا ننقل عناصر ليكونوا اقرب إلى ليبيا».
من جهة ثانية، قال مسؤولون أميركيون إن الولايات المتحدة لا تخطط في الوقت الحالي لإرسال أسلحة للثوار الليبيين. وقال المتحدث باسم مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض طومي فيتور «نعتقد أنه من المبكر جدا اتخاذ أي قرارات من ذلك النوع»، فيما قال مسؤول آخر إن أجهزة الاستخبارات والأمن القومي الأميركية تعتقد أن قوات المعارضة المعبأة ضد القذافي ليس لها في الوقت الحالي قادة يمكن الولايات المتحدة أو أطرافاً خارجية أخرى التعامل معهم.
من جهته، أكد مندوب الصين لدى الأمم المتحدة لي بودونج، الذي يرأس مجلس الأمن الدولي خلال الشهر الحالي، عدم وجود أي اقتراح رسمي حتى الآن من قبل الدول الأعضاء بفرض منطقة حظر طيران فوق الأراضي الليبية. وأشار إلى أن هناك ثلاثة مبادئ أساسية يجب مراعاتها عند التعامل مع الملف الليبي: الأول، هو احترام سيادة ليبيا واستقلالها ووحدة ترابها، والثاني هو أن الأزمة السياسية ينبغي حلها عبر الحوار وبالطرق السلمية، والمبدأ الثالث هو أن عدم استقرار ليبيا ستكون له عواقبه على المنطقة والبلدان المجاورة.
الحلف الأطلسي
وفي بروكسل، أشارت مصادر في حلف شمال الأطلسي إلى أن هناك انقسامات في صفوف الدول الأعضاء في «الناتو» حيال التدخل العسكري في ليبيا، وذلك بسبب المخاوف من ردود فعل العالم العربي والتردد في توسيع رقعة عمليات الحلف والتعقيدات التي تطرحها عملية كهذه.
وقال أحد المصادر إنه «لا إجماع داخل الحلف الأطلسي للجوء إلى القوة».
وكانت فرنسا قد أبدت معارضتها لهذه الفكرة صراحة، إذ قال وزير خارجيتها الان جوبيه امام الجمعية الوطنية الفرنسية إنه «من المحتمل أن يؤدي تدخل من هذا النوع إلى تجييش الرأي العام العربي ضد الدول الواقعة شمال المتوسط».
بدورها ترفض تركيا، العضو أيضا في الحلف الأطلسي هذه الفكرة. وقال رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان «هل يتوجب على الحلف أن يتدخل في ليبيا؟ إن ذلك سيكون مخالفا للصواب. إن الحلف ليس لديه أي شيء هناك. إن الحلف لا يمكن أن يتدخل عسكريا إلا عندما يتعرض بلد حليف لهجوم».
بدورها، بدت روسيا، التي تتعاون مع الحلف الأطلسي، متيقظة أيضا للأمر، إذ قال مندوبها الدائم لدى «الناتو» ديميتري روغوزين إن «الأحداث الأخيرة تعطي ذريعة للحلف الأطلسي ليحاول الدخول إلى هذه المنطقة بحجة انه يريد تأمين الوضع في أفريقيا الشمالية».
وذكرت مصادر في المعارضة الليبية أن الأميركيين «بدأوا يتخلون عن خيار التدخل العسكري أمام إصرار فصائل المعارضة في الداخل والخارج على عدم تلويث الثورة بأي تدخل من الخارج، وإبقائها صفحة ناصِـعة تفضي إلى نصر يتحقـق بقوة المقاومة الداخلية وحدها، أسوة بالثورتيـن التونسية والمصرية»، فيما حذر شباب «ثورة 17 فبراير» بعض أعضاء المجلس الوطني الذي شكله المعارضون في بنغازي من مغبة الانجرار وراء خيارات كهذه.
النازحون
في هذا الوقت، تواصلت معاناة النازحين العالقين على الحدود الليبية - التونسية. وأطلقت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للامم المتحدة نداء لإرسال مئات الطائرات لإنهاء الازمة، مشيرة إلى أن «اعدادا هائلة من الناس» ما زالوا ينتظرون في البرد القارس للسماح لهم بالعبور الى تونس. وقالت المتحدثة باسم المفوضية سيبيلا ويلكيس ان «زملائي في الميدان يقولون ان اعدادا هائلة من الناس ينتشرون في مساحات على مد النظر، بانتظار عبور الحدود». وقالت ان اعداد هؤلاء تقدر بالآلاف، مضيفة «انهم في العراء في البرد القارس وتحت الامطار والعديد منهم امضوا ثلاث او اربع ليال في العراء حتى الآن». واكدت ان الوضع «تسوده الفوضى الحقيقية. فقد عبر الى مصر نحو 77320 شخصا حتى الآن. وعبر عدد مماثل الى تونس... وبالتالي فإن عدد من فروا الى البلدين قد يزيد عن 150 الف شخص».
وأعلنت فرنسا وبريطانيا انهما ستجليان آلاف العمال المصريين العالقين على الحدود التونسية بعد فرارهم من العنف في ليبيا. وقال رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون «من الأهمية بمكان القيام بذلك... لا ينبغي ترك هؤلاء الاشخاص في مخيمات العبور إذا كان في الامكان اعادتهم الى الوطن»، فيما أعلنت وزارة الخارجية الفرنسية ان فرنسا بصدد ارسال طائرات نقل عسكرية وسفينة انزال تابعة للبحرية لإجلاء نحو خمسة آلاف لاجئ خلال الاسبوع المقبل.
Comments:





