القذافي والغرب يخيّران الثوار بين الإبادة ... والتدخل الأجنبي
بدت الثورة الليبية، مع دخولها شهرها الثاني، على مفترق خطير، أصبحت فيه أبواب ليبيا مشرّعة أمام تدخل أجنبي، بغطاء عربي، ظهرت بوادره في مجلس الأمن الدولي، أمس، حيث تقاطعت مصالح الدول العظمى مع تلك الخطة الجهنمية التي وضعها معمّر القذافي لتشويه الثورة وتحويلها إلى حرب أهلية بين غرب موال للنظام وشرق متمرّد عليه، ما يسهل له اتهام هذا الشرق بالعمالة للاجنبي، في وقت ما زال الثوار، بإمكاناتهم العسكرية البسيطة يقاومون تلاقي المصالح تلك، بإصرارهم على الموت دفاعاً عن أجدابيا وبنغازي شرقاً، ومصراتة والزنتان غرباً.
وفي ظل احتدام المعارك بين الثوار الليبيين والكتائب الأمنية التابعة للقذافي، والتي يسعى الإعلام الغربي لتصويرها على أنها سباق مع الزمن بين الآلة العسكرية لنظام الدكتاتور وبين الحراك الدبلوماسي لـ«حماية المدنيين»، وافق مجلس الأمن الدولي بغالبية عشرة أعضاء وامتناع روسيا والصين والهند والبرازيل والمانيا، على فرض حظر جوي فوق ليبيا قد يبدأ تنفيذه ميدانيا بشن ضربات جوية خلال الساعات المقبلة، التي توعد القذافي بأنها ستشهد حرباً «من دون رحمة» لتطهير بنغازي.
وواصلت القوات الموالية للقذافي، أمس، محاولات للتقدم نحو بنغازي، معقل المعارضة. وخاض جنود من القوات الحكومية الليبية معارك ضارية مع الثوار للسيطرة على مدينة أجدابيا، وذلك لفتح الطريق المؤدي إلى بنغازي، التي استهدفتها قوات القذافي بقصف مدفعي وغارات جوية.
وبحسب شهود عيان فإن قوات القذافي تمكنت من السيطرة على الطريق المؤدي من أجدابيا إلى طبرق في أقصى الشرق الليبي، لكن الثوار تمكنوا من إخراجها منه، في الوقت الذي ما زالوا يحكمون السيطرة على مفترق الطرق المؤدية إلى بنغازي.
وأعاقت الاشتباكات حول أجدابيا، وهي بلدة استراتيجية على الطريق الساحلي، زحف القوات الحكومية على بنغازي، لكن الجيش حذر المواطنين من أنه يضع عينه على المدينة، وطلب من الناس، في بيان، مغادرة المواقع التي يسيطر عليها الثوار، لكن سكان بنغازي تجاهلوا هذا البيان، حيث بدت الحياة في المدينة شبه طبيعية.
وكان التلفزيون الليبي الرسمي أعلن أنه «تمت السيطرة على ميناء الزويتينة (قرب بنغازي) بالكامل، والقوات المسلحة على مشارف بنغازي»، لكن الثوار نفوا هذه المعلومات، إذ أوضح المتحدث باسم «تحالف 17 فبراير» إن قوات القذافي ما زالت بعيدة عن مشارف المدينة، مشيراً إلى أن الثوار تمكنوا من تطويق القوات الغازية.
وتعرضت مناطق متفرقة في بنغازي لقصف مدفعي وجوي. وقال متحدث باسم المعارضة إن قوات القذافي شنت غارات جوية على ثلاثة أماكن على مشارف بنغازي، إلى جانب موقع آخر في الجنوب. وأوضح أن الغارات استهدفت مطار بنينا وبلدة بوعطني إلى الشرق من بنغازي، وموقعاً في الشمال الغربي من المدينة، وبلدة قمينس الواقعة على بعد 50 كيلومتراً إلى الجنوب.
وأشار المتحدث إلى أنه «ليست لدينا أدلة على أن الغارات سببت أي ضرر»، مضيفاً «تبدو لنا (الغارات) مثل تحذير أو تحد للمجتمع الدولي».
وذكر موقع صحيفة «ليبيا اليوم» الالكتروني أن الثوار في بنغازي تمكنوا من إسقاط طائرات للقذافي، واحدة في منطقة سيدي منصور (جنوب) وأخرى في منطقة الليثي، وثالثة في قمينس. 50 كم غرب بنغازي.
أما في الغرب الليبي، ففشلت قوات القذافي مجدداً في استعادة مدينة مصراتة (200 كيلومتر إلى الشرق من طرابلس). وكان التلفزيون الليبي ذكر أن «القوات المسلحة سيطرت على مدينة مصراتة، وتقوم بتطهيرها حاليا من العصابات المسلحة»، لكن متحدثاً باسم الثوار في المدينة نفى هذه المعلومات، مشدداً على أن «المدينة ومشارفها لا تزال تحت سيطرتنا»، وأن «القذافي يحشد قواته على بعد بضعة كيلومترات من المدينة». وأضاف «نحن نسمع طلقات نارية متفرقة على مشارف المدينة... لا أكثر»، مشيراً إلى مقتل 17 من سكانها على الأقل خلال المعارك التي جرت مساء أمس الأول.
وفي الغرب أيضاً، هاجمت قوات القذافي بلدة الزنتان (145 كيلومتراً جنوب غربي طرابلس)، بعدما أمطرتها بقذائف المدفعية وصواريخ «غراد»، من دون أن تتمكن من اقتحامها».
القذافي
وفي كلمة وجهها إلى أهالي بنغازي، عبر الإذاعة الليبية، مساء أمس، توعد القذافي بمهاجمة المدينة خلال الليل لإنهاء «المهزلة»، مشيراً إلى أن من يقاتل في بنغازي «مسلحون جاؤوا من مصر المهزومة وتونس المنكوبة لتدمير ليبيا». وهدد القذافي بـ«تطهير» بنغازي قائلاً إن «قواتي ستأتي الليلة ولن تكون هناك أي رحمة»، وأن المدينة ستكون «فرجة للعالم». وتابع»غداً ترجع بنغازي فرحاً وزغاريد والعاباً نارية».
ونصح القذافي أهالي بنغازي بمغادرة مدينتهم أو البقاء في منازلهم بعد إلقاء السلاح، قائلاً «من يسلم سلاحه وينضم إلينا، نحن الشعب، أو يجلس في بيته من دون سلاح نحن سنعفو عليه، وسيكون محمياً». وأضاف «سنفتش الشقق شقة شقة... ومن نجد في شقته سلاحاً فسيعامل كعدو»، كما تعهد بمطاردة الثوار «زنقة زنقة، دار دار، حجرة حجرة، دولاب دولاب».
وكانت وكالة الأنباء الليبية الرسمية ذكرت، قبل ساعات من كلمة القذافي، ان «اللجنة المؤقتة للدفاع (وزارة الدفاع) قررت وقف إطلاق النار تجاه العصابات الإرهابية ابتداء من الأحد 20 آذار لإعطاء مهلة لتسليم السلاح والعفو العام عنهم»، من دون أن توضح مدة توقف العمليات العسكرية.
ورداً على هذا التهديد، دعت قيادة الثورة في بنغازي عناصرها للانضمام إلى مراكز المدفعية وقاذفات الصواريخ، فيما أكد رئيس المجلس الوطني الليبي مصطفى عبد الجليل إن المعارضة صامدة ولن تخيفها تهديدات معمر القذافي.
مجلس الأمن
وفي نيويورك، تبنى مجلس الأمن الدولي بغالبية كبيرة القرار رقم 1973، الذي يقضي بفرض منطقة حظر طيران فوق ليبيا والتفويض بتنفيذ عمل عسكري لتنفيذ الحظر، وذلك بتأييد عشرة أعضاء، بينما امتنع خمسة أعضاء (روسيا والصين وألمانيا والهند والبرازيل) عن التصويت.
ويهدف القرار إلى منع تحليق طيران القذافي، غير أنه يمنع أي احتلال بري من جانب قوات أجنبية، كما اتخذ المجلس خطوة غير معتادة بالسماح ليس فقط للمنظمات الدولية، ولكن للدول المنفردة كذلك، باستخدام «كافة السبل الضرورية» لإنهاء قمع القذافي للمتظاهرين المدنيين.
واعلن وزير خارجية فرنسا آلان جوبيه ان التحرك سيبدأ خلال ساعات. وحذر من انه ليس هناك الكثير من الوقت للتدخل، مشيراً إلى أن «المسألة قد تكون مسألة ساعات».
وكانت وكالة «اسوشييتد برس» نقلت عن دبلوماسي فرنسي قوله إن العمل العسكري ضد ليبيا سيكون «خلال وقت قصير جداً». وأشار إلى أنّ تنفيذ القرار «سيتطلب توفير دعم من جانب دول عربية لن تنخرط في العمل على الأرض»، موضحاً أن «الدعم العربي قد يكون، على سبيل المثال، عبر السماح باستخدام قواعدها الجوية»، في ما بدا إشارة إلى كل من تونس ومصر المجاورتين.
لكن المتحدثة باسم وزارة الخارجية المصرية السفيرة منحة باخوم أكدت أن مصر لن تشارك في أي تدخل عسكري في ليبيا.
وكان مندوب الجامعة العربية لدى الأمم المتحدة يحيى المحمصاني أشار إلى دولتين عربيتين على الأقل قالتا إنهما ستشاركان في فرض منطقة حظر للطيران فوق ليبيا، مضيفا أن الإمارات وقطر «قد» تكونان من بين المشاركين.
وكانت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون أوضحت، من تونس، انه يجري بحث إمكانية مشاركة دول عربية بشكل مباشر في أي عمل عسكري دولي ضد معمر القذافي، فيما قال مساعدها وليم بيرنز، في جلسة استماع أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، إن الولايات المتحدة تسعى إلى شراكة نشطة مع الدول العربية تشمل دعما ماليا لأي خطوات قد تتخذها الأمم المتحدة بشأن ليبيا.
في هذا الوقت هددت ليبيا باستهداف الملاحة الجوية والبحرية، المدنية والعسكرية، في منطقة حوض المتوسط ردا على أي عمل عسكري أجنبي ضدها. وقال متحدث باسم وزارة الدفاع الليبية «ان أي عمل عسكري خارجي ضد ليبيا سيعرض جميع الملاحة الجوية والبحرية في البحر المتوسط للخطر وستصبح كل المسالك المدنية والعسكرية، أهدافا للهجوم المضاد الليبي». وأضاف أن: حوض البحر المتوسط سيصبح في خطر شديد ليس على المدى القصير ولكن أيضا على المدى البعيد».
Comments:




