عاصفة «ويكيليكس»: إرباك غربي... وارتياح إسرائيلي
فشلت الإدارة الأميركية في احتواء الصدمة التي خلفتها البرقيات السرية التي نشرها موقع «ويكيليكس»، ما دفعها إلى إطلاق سيل من الانتقادات ضد هذه المبادرة «غير المسؤولة»، والإعلان عن إجراءات للحيلولة دون نشر فضائح جديدة، كتلك التي تضمنتها الوثائق، والتي لم تسلم سوى دول قليلة من تداعياتها، في وقت أبدت إسرائيل ارتياحاً واضحاً حيال هذه العاصفة، محاولة استغلالها عبر تأكيد «صوابية» تحذيراتها المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني.
وأمر البيت الأبيض بمراجعة الاجراءات الأمنية لتفادي نشر وثائق حساسة. وقال مدير مكتب الميزانية في البيت الأبيض جاكوب ليو، في تعليمات وزعت على رؤساء الدوائر والإدارات، إن «أي فشل في حماية معلومات سرية غير مقبول ولن يتم التسامح معه».
وندد البيت الأبيض «بأشد العبارات» النشر «غير المسؤول والخطير» لوثائق دبلوماسية، معتبراً أن مبادرة موقع «ويكيليكس» قد تعرض حياة الكثيرين للخطر، فيما طالب النائب الجمهوري الأميركي، والرئيس المقبل للجنة الأمن القومي في مجلس النواب، بيتر كينغ من الإدارة الأميركية «بتحديد إمكانية تصنيف ويكيليكس كمنظمة أجنبية إرهابية».
وأعلنت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون أن العلاقات الطيبة بين بلادها والدول الأخرى ستبقى رغم نشر الوثائق السرية التي تحتوي على تفاصيل الاتصالات الحساسة حول عدد من المسائل المهمة، والزعماء في موقع «ويكيليكس». وقالت كلينتون للصحافيين «لي ثقة في أن علاقات الشراكة وغيرها من أوجه العلاقات التي أقمناها في عهد هذه الإدارة ستصمد أمام هذا التحدي».
أما حلفاء واشنطن، فتفاوت ردهم على ما ورد في برقيات «ويكيليكس»، حيث امتنعت باريس عن تأكيد «كل الكلام المنسوب» إلى مسؤوليها في هذه الوثائق، حيث أعلن قصر الإليزيه أنه «لن يرد على ويكيليكس». لكن وزارة الخارجية الفرنسية أعربت عن قلقها من العواقب التي يمكن أن تترتب عن «مثل هذا الانتهاك لسرية وثائق ما»، فيما وصف وزير الدفاع آلان جوبيه نشر هذه المراسلات الدبلوماسية بأنه عمل «مشين» و«غير مسؤول».
وكشفت وثيقة جديدة نشرها «ويكيليكس» عن أن المستشار الدبلوماسي للرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، جان دافيد ليفيت تناول الرئيس الفنزويلي هوغو تشافيز في حديث سري مع مسؤول أميركي كبير فوصفه بأنه «مجنون» يحول بلاده إلى «زيمبابوي أخرى». كما نعت ليفيت ايران بأنها «دولة فاشية». كما وصفت إحدى الوثائق ساركوزي بأنه «سريع التأثر بالانتقاد ومستبد»، فيما وصفت برقية أخرى الطائرة المقاتلة «رافال» التي باعتها فرنسا إلى البحرين بأنها تنتمي إلى «تكنولوجيا الماضي».
وفي لندن، أكدت الحكومة البريطانية أنّها ستستمر في «العمل بتعاون وثيق مع الولايات المتحدة»، برغم تسريب «ويكيليكس» وثائق دبلوماسية أميركية انتقدت رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون.
وتعهدت صحيفة «غارديان» البريطانية، التي اطلعت على وثائق «ويكيليكس»، بنشر الوثائق السرية الأميركية التي تتضمن تعليقات وملاحظات «محرجة» عن كاميرون وسلفه العمالي غوردون براون.
بدورها، أعربت ألمانيا عن قلقها البالغ من التداعيات الدولية لنشر وثائق «ويكيليكس». وقال المتحدث باسم الحكومة الألمانية شتيفن زايبرت إن الوثائق المنشورة قد تؤدي إلى حال من «الرفض السياسي» وإلى «عرقلة النشاط السياسي»، فيما لم تستبعد وزارة الخارجية الألمانية أن يتعرض الوضع الأمني لألمانيا وحلفائها إلى الضرر بسبب نشر الوثائق. وأكدت حكومة برلين أن العلاقات مع واشنطن «قوية وثابتة ولن تتعكر بأي طريقة من خلال تلك التسريبات».
أما موسكو، فقررت عدم التسرع في التعليق على البرقيات التي صورت قادتها بصورة غير لائقة، ومن بينها وصف لرئيس وزرائها فلاديمير بوتين بأنه «كلب ألفا»، وآخر لرئيسها ديميتري ميدفيدف بأنه «شاحب ومتردد». يذكر أن المراسلات الدبلوماسية الأميركية تضمنت تقييماً للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بأنها «تتفادى الخطر، وليست مبدعة كثيرا».
إسرائيل
وفي مقابل هذا الإرباك الدولي، بدت إسرائيل أكثر ارتياحاً. وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن البرقيات التي تم تسريبها كشفت عن مخاوف عربية منتشرة على نطاق واسع بشأن البرنامج النووي الإيراني، وتبرر أولوياته المتعلقة بعملية السلام. وأضاف «للمرة الأولى في التاريخ الحديث هناك اتفاق لا يمكن اعتباره غير منطقي في أوروبا وفي المنطقة، وبين إسرائيل ودول المنطقة، على أن التهديد الرئيسي ينبع من ايران وخططها التوسعية وخطواتها التسلحية. لقد تم التعبير عن ذلك بطريقة مقنعة للغاية في الوثائق الأخيرة. ورغم أن ذلك كان معلوما إلا أنه لم يعلن بصورة مباشرة».
وقال مسؤول في الحكومة الإسرائيلية «لقد خرجنا بصورة جيدة جدا»، مشيراً إلى أنّ الوثائق المنشورة «تدل على أن إسرائيل لا تعتمد لغة مزدوجة وتقول في المجالس الخاصة ما تقوله علنا» حول ضرورة التحرك ضد إيران. وأضاف «يتبين أن كل الشرق الأوسط يرهبه احتمال قيام دولة نووية في ايران. والدول العربية تدفع الولايات المتحدة إلى عمل عسكري بطريقة أقوى مما تفعل إسرائيل».
وذهب الرئيس السابق لمجلس الدفاع الوطني الجنرال في الاحتياط غيورا ايلاند إلى حد اعتبار تسريبات ويكيليكس مفيدة لإسرائيل، معتبراً أنه «ليس هناك ما يحرج في هذه التسريبات. ولا شيء يمس أمننا. وبطريقة ما قد يكون عكس ذلك». وأضاف ساخراً «كون إسرائيل تعتبر ايران خطرا هو سر يعرفه الجميع».
إيران
وبرغم ما كشف من تحريض عربي على بلاده، قال الرئيس الإيراني محمود احمدي نجاد إن نشر البرقيات «عمل طائش لا قيمة له»، مشدداً على أنها لن تؤثر على علاقات طهران بجيرانها العرب. وأشار نجاد إلى أن «الحكومة الأميركية هي التي أعدت ووزعت هذه الوثائق حسب خطة مرسومة. انه جزء من عمل استخباراتي ولن يحقق لهم الهدف السياسي الذي يريدونه». تابع «نحن أصدقاء مع الدول المجاورة في المنطقة والأعمال الطائشة لن تؤثر على علاقاتنا».
وأظهرت وثائق جديدة نشرت عن إيران أنّ واشنطن قامت بالتدقيق في الدبلوماسيين الايرانيين الراغبين بدخول العراق قبل منحهم التأشيرات اللازمة. وتوضح أن «وزارة الخارجية العراقية تقوم منذ عام 2008، بتزويد السفارة بأسماء الدبلوماسيين الإيرانيين طالبي تأشيرات الدخول بغرض التدقيق فيها».
وانتقد وزير الخارجية هوشيار زيباري نشر الوثائق معتبراً أن عملية «النشر لا تساعد على الإطلاق». وأضاف «نمر بفترة حرجة (في العراق)، ونحاول تشكيل الحكومة التي طال انتظارها، نأمل أنها لن تسمم الأجواء بين السياسيين العراقيين».
Comments:





