في ذكرى التحرير.. المقاومة تواجه العالم
والله ماذل ذو حق وإن طبق العالم عليه ولا عز ذو باطل ولو طلع القمر من جبينه"، تلك مقولة للخليفة الحادي عشر من الخلفاء العباسيين أبو جعفر محمد المنتصر بالله. لعلّ هذه الكلمات أكثر ما ينطبق على واقعنا في الذكرى الحادية عشر لتحرير جنوب لبنان من الاحتلال الإسرائيلي عام 2000. لقد شكّل تحرير أرض عربية من الاحتلال الإسرائيلي بفضل العمل المقاوم صدمة كبيرة في واقع الصراع العربي - الإسرائيلي، خاصة وأنه لم يترافق مع اتفاقية سلام ومن دون قيد أوشرط..
لقد كانت تلك المحطة ولا تزال مفصلا أساسيا في مسيرة الصراع المستمرة منذ ما يناهز القرن، لأن مجموعة من الشباب بإمكانات محدودة مقارنة بإمكانات إسرائيل تمكنوا من تحرير أرضهم متسلحين بإيمان كبير بأحقية القضية التي يحاربون من أجلها ومؤمنين بأنفسهم وبربهم،
فكان لهم ما أرادو. الأبعاد الحقيقية لما تحقق في مثل هذه الأيام عام 2000 لا تقاس جغرافيا أو ماديا، لأن الصراع مع إسرائيل لم يكن يوما على الأرض كأرض، بل هو صراع بين الحق والباطل، الخير والشر لذلك فإن نصر عام 2000 أثبت أن بإمكان العين أن تقاوم المخرز وأسكت كثيرا ممن كانوا يستهزؤن بالمقاومين وهو ضرب إلى حد بعيد الهالة التي كانت مرسومة حول هذا الكيان بأنه لا يقهر. يُسجّل أنه منذ ذلك التاريخ وإسرائيل باتت تعيش قلقا حقيقيا على وجودها، لأن فكرة هزيمتها بالاستناد إلى المواجهة المباشرة،
العسكرية والشعبية مصحوبة بالخبرة والتخطيط والإمكانات المعقولة باتت واردة، لذلك لم توفر جهدا للقضاء على المقاومة في لبنان وكل من يدعمها، وسعت بكل ما أوتيت من قوة لتشويه صورة "حزب الله" وقائده السيد حسن نصرالله. أعدت إسرائيل نفسها لمواجهة كانت حتمية بنية الثأر، وكان لها ذلك عام 2006، بيد أنها تكبدت هزيمة أقسى وأشد إيلاما وأكثر وضوحا باعتراف كبير قضاتها ولجنته فينوغراد التي أوصت بحرب ثالثة حاسمة للقضاء على حزب الله. ما بين التحرير واليوم حرب مستمرة يشنها العالم بأسره على المقاومة، بدأ من أميركا ومجلس الأمن مرورا بالدول العربية باستثناء سوريا شريكة المقاومة والممانعة وانتهاء بأهل القربى من الداخل اللبناني. هذه الحرب لم توفر وسيلة وحيلة إلا ولجأت إليها سعيا للقضاء على المقاومة أو إنهاكها على أقل تقدير. لجأوا إلى وسائل الإعلام العالمية والعربية والمحلية وحاولوا إلصاق أبشع التهم بحزب الله، واستندوا إلى رجال الدين لإلباس المقاومة ثوب التمذهب، قاموا بالاغتيالات واليوم يحاولون إلصاق التهمة بقادة المقاومة بعدما أنشأوا محكمة دولية لهذه الغاية.
تزامن ذلك مع حروب استخباراتية وأمنية تمت بتسهيل كبير من بعض القوى السياسية في الداخل، من خلال شبكة الاتصالات الثابتة والمحمولة التي وضعها البعض بتصرف إسرائيل وقد أُثبت ذلك. تطاولوا على المقاومة وجمهورها وأهانوا رموزها وقادتها ووصلت بهم الحقارة للنيل من الشهداء، وسخّفوا إنجازاتها.
اليوم يستمر مسعاهم بوتيرة أعلى، يحاصرون سوريا أملا بإخضاعها من باب الثورات العربية والحرية والديموقراطية لكنه كلام حق يراد به باطل، ويشددون العقوبات على إيران بذريعة برنامجها النووي "السلمي" باعتراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ينصب الجهد كله لحرف أنظار الشعوب العربية المنتفضة على أنظمتها عن فلسطين، وتوجيهه نحو إيران ليغرق في نفق الحروب والصراعاب الطائفية والمذهبية. إنها بحق حرب عالمية على المقاومة التي ورغم كل الجراح لم تنزلق إلى حيث يريدون، ولم تغيّر بوصلتها. بقيت إسرائيل العدو الوحيد، ولم تكلّ المقاومة من مقارعته، إعلاميا وسياسيا وأمنيا. لم تخضع قيادات المقاومة لإغراءات السلطة التي لو أرادتها لحصلت عليها كلها وبمباركة دولية وعربية. يكفي أن تضمن أمن إسرائيل حتى تفرش لها البسط الحمراء. اليوم يشتد الصراع وتكثر المؤامرات ولا يبق مع الحق إلا قلّة قليلة، لكن هذا شأن أصحاب الحق، لم يكونوا أكثرية منذ الأزل، لكنهم استمروا لأنهم كانوا أهلا للتضحية والتسامح والإيثار والكِبر. هم كذلك اليوم، والمقاومة صاحبة حق بتحرير الأرض وحماية أهلها لأنهم أصحاب الأرض، ولمن يشكك بصوابية خيارهم عليه أن ينظر من حوله ليرى كل الأسباب والأدلة على ذلك. يكفي أن يقف العالم كله ضد المقاومة لنعرف أنها على صواب، ويكفي أن يكون حزب الله هدفا لأميركا وإسرائيل لنتأكد من ذلك. في ذكرى التحرير، نستحضر الشهداء الذين ضحوا بأنفسهم لننعم بالحرية، الأسرى الذين تحملوا التعذيب والأذى، الجرحى الذين أصيبوا في ميادين القتال، عوائل الشهداء، وكل الذين تهجروا وصمدوا وصبروا على القصف والتدمير، والصابرين على الأذى الذي يلحقه بهم كثير من الداخل، المتعالين عن الجراح قبل وبعد "فضائح ويكيليكس".
ننحني أمامهم ونرفع رؤوسنا بمقاومين ما فتؤا يحرسون الأرض ويعدّون العدّة لمواجهة كل عدوان لأنهم مصدر عزتنا وفخرنا. اليوم يزداد إيماننا بجدوى المقاومة، وثباتنا على هذا الطريق مهما عظمت التحديات ولو عاد بنا الزمن إلى الوراء لما اتخذنا غير ذلك سبيلا. هنيئا لنا ولكل الأحرار في العالم هذا اليوم المجيد
Comments:




