بين العسكر والثوار لن تشهد مصر ما هو أسوأ مما كان
تتسارع الخطى في مصر بين اتجاهين، المؤسسة العسكرية من جهة وثوار 25 يناير من جهة ثانية وبين الاثنين يحاول عدد من الأحزاب ان يجد له موقعاً يخوّله لعب دور أحجم عن لعبه عندما كانت الثورة كرة نار تواجه نظام حسني مبارك وبلطجيته وشرطته السرية والعلنية.
وفي محاولة لقراءة الصورة بدقة لا بد من التوقف امام كل اتجاه وما بينهما، فالمؤسسة العسكرية التي كانت تنام على حرير حكم حسني مبارك الخارج من صفوفها وجدت نفسها بصورة مفاجأة وجهاً لوجه امام مسؤولية إعادة بناء السلطة وسط معمعة كبيرة اختلطت فيها اوراق كل اللاعبين المحليين والاقليميين والدوليين وذلك بعد ان قال لها الشعب اليك ابن المؤسسة حسني مبارك مرتجعاً مع الشكر ومرفقاً بكم هائل من الفضائح المالية والأمنية لا تستطيع المؤسسة ان تتستر عليها، لا بل انها ستكون مطالبة في وقت قريب جداً برفع الغطاء السياسي والمعنوي عنه وعن كل حاشيته.
وتجد المؤسسة العسكرية نفسها امام معضلة لم تواجهها منذ العام 1952 عندما تولى احد ابنائها رئاسة الجمهورية للمرة الأولى على انقاض حكم الملك فاروق، هذه المعضلة تكمن في ان الشعب لن يرضى أن يرى عسكرياً رئيساً للبلاد مرة ثانية، وبالتالي لا بد لها من البحث ليس عن شكل واسم الرئيس المقبل بل ايضاً عن شكل النظام والدستور اللذين يحفظان لها نفوذها داخل السلطة من دون ان تكون في الواجهة، اي كيف تصنع سلطة خلف كواليس السلطة وبأية ادوات وبأي دستور، وهذه كما ذكرنا تجربة جديدة عليها.
ويحاول البعض أن يضع النموذج التركي امامها ولكن هذا النموذج لا يشجعها أبداً لانه وكما هو ملاحظ فان العسكر التركي قد خسر الكثير من نفوذه لدرجة ان حزب العدالة والتنمية بقيادة رجب طيب اردوغان بات بإمكانه مطاردة كبار الضباط المتقاعدين او الذين لا يزالون في الخدمة في المحاكم ويزج بعضهم في السجون من دون ان يتمكن الجيش من الردّ. اذاً النموذج التركي مشجع للقوى المدنية وليس للعسكر.
ومع انهيار مبارك وجد العسكر انفسهم ايضاً مطالبين بأن يسرعوا الخطى في تلبية بعض مطالب الثورة قبل ان يتحوّلوا هم انفسهم الى هدف لهذه الثورة لذلك فقد عملوا على الاستفادة من التعاطف الشعبي مع دورهم وحلّوا مجلسي الشورى والنواب وشكلوا لجنة لصياغة دستور جديد للبلاد.
والاتجاه الثاني هو اتجاه قادة ثورة 25 يناير إن صحّ ان نقول ذلك، فهؤلاء ليسوا حزباً او مؤسسة او تنظيماً، وانما مجموعة من الشبان دحضوا واحدة من اهم نظريات كارل ماركس في نشوء الثورات والتي يعتبر فيها ان الثورة هي في اساسها من صناعة حزب يعبر عن مصالح طبقة اجتماعية، فهؤلاء الشبان، المجهولو الهوية، قد يكون بعضهم من ابناء الطبقة العاملة فيما الآخر من ابناء الطبقة البرجوازية وبالتالي ليس الهم الطبقي هو الذي يجمعهم انما مجموعة قيم ومفاهيم عامة وبسيطة جداً لكن الدخول في تفاصيلها يمكن ان يتحول الى مادة خصبة لفرط عقدهم، فمعظم ما قالوا انهم يريدونه قد تحقق وهو بمعنى ما تحطيم النظام الذي كان سائداً (اسقاط الرئيس والنظام وحل مجلسي الشعب والشورى وملاحقة الفساد الخ...) ولم تشر اي من بيانات هؤلاء الثوار او اللافتات التي رفعوها في ميدان التحرير وغيره من ميادين مصر الى برنامج عمل محدد، يعني بالإمكان القول ان كل ما شاهدناه هو اعلان هؤلاء الثوار ما لا يريدون، اما ما يريدون فهو قصة اخرى، لان بناء الدولة يتطلب رؤية واضحة وشعارات واضحة واسساً واضحة، وهو ما لم يظهر حتى الآن في اداء الثوار.
وتقول مصادر مصرية ان هناك اتجاهاً لدى هؤلاء الثوار للبدء في انشاء شكل تنظيمي يكون حزباً او تجمعاً يؤطر حركتهم لكن حتى الآن لم تظهر بوادر ذلك. وان صح الامر على اية حال فإن انشاء حزب ليس قضية بسيطة. وهي تتم الآن وسط عملية اعادة بناء الدولة ومؤسساتها على ايدي العسكر الذي لن ينتظر الشباب لينجزوا انشاء تجمعهم او حزبهم بل هو سيعمل على انجاز العملية قبل أن يلتقط شباب ميدان التحرير أنفاسهم ويضعهم امام امر واقع اذا استطاع الى ذلك سبيلاً.
وبين هذين الاتجاهين هناك حراك سياسي لقوى اسلامية ويسارية متعدّدة ابرزها حركة الاخوان المسلمين التي جاءت الثورة لتكشف عورتها، فهذه الحركة التي دأب نظام مبارك على استخدامها فزاعة بوجه الداخل والخارج تبين أن قوتها لا تتجاوز في احسن احوالها عشرين الى خمسة وعشرين في المئة من الناخبين وهي حركة هرمة في الشكل والمضمون، فقد حاولت المساومة مع مبارك في اللحظات الأخيرة لنظامه فقط من اجل ان تحصل منه ومن المؤسسة العسكرية على اعتراف رسمي بشرعيتها، فيما كان الشعب قد أسقط شرعية مبارك وفرض على المؤسسة مشروعية الثورة وشرعيتها، ولكن هذا لا يعني ان الاخوان المسلمين سيكونون على مدرجات السلطة بل هم في الميدان وسيحاولون ان يلعبوا دوراً داخل حركة ثوار 25 يناير وان يكونوا جزءاً من اي شكل تنظيمي سيعتمده هؤلاء الثوار، ولكن في الوقت نفسه سيبقون ابواب المساومة مفتوحة مع العسكر. وبالاضافة للاخوان المسلمين هناك بعض التجمعات والشخصيات الناصرية واليسارية التي استفاقت بعد ايام من انطلاق الثورة لتلحق بالركب وهي ايضاً ستحاول أن تجد لها مقعداً بين مقاعد قادة الثورة.
طبعاً إن المشهد المصري سيبقى ضبابياً لفترة لا بأس بها، وستكون لعبة عضّ الأصابع جارية بين طرفي العسكر والثوار وما بينهما، ولكن اللعبة ليست داخلية فقط فهناك الولايات المتحدة واسرائيل وهما ليستا في موقع المتفرج بل هما حاولا من اللحظة الأولى حماية مبارك وعندما تعذر ذلك انكفأت اسرائيل فيما ركبت واشنطن موجة دعم الثورة، لكن الآن سيعمل الطرفان على استخدام ما أمكن من نفوذ لهما لدى العسكر ورجال الأعمال وبقايا النظام البائد من اجل تخفيف الخسائر في المرحلة الأولى والانقضاض مجدداً على احلام الشعب المصري في مرحلة لاحقة.
لن تنتظر المنطقة ماذا سيحصل في مصر وستكون بلاد الكنانة في إجازة قسرية عن الاحداث الجارية حولها ولكن من المؤكد ان ما سينتج عنه المشهد المصري لا يمكن ان يكون اسوأ مما كان خلال حكم مبارك وهذه بشرى سيئة لاميركا واسرائيل وبشرى حسنة لابناء الشعب المصري بفئاته كافة ومن ورائه لكل ابناء الشعب العربي التواقين لرؤية مصر تستعيد موقعها الريادي في مواجهة الظلم اللاحق بهم من قبل الولايات المتحدة واسرائيل وحلفائهما.
Comments:





