ما شعورك وأنت تقرأ ملفك في أمن الدولة؟
كان مشهداً لافتاً، أبناء الشعب أمام مقار أمن الدولة يبحثون عن ملفات تحمل أسماءهم وتحكي عنهم حكايات صاغها آخرون، وستبقى للتاريخ السيرة الرسمية الأوحد. يومها وأنا أشاهد الناس تنقذ من الحريق ملفاتها تذكرت الزيارة التي قام بها المؤرخ تيموثي جارتون آش إلى ألمانيا بعد سقوط حائط برلين. فور وصوله طلب الإطلاع على الملف الخاص به في أرشيف شتاسي، جهاز الأمن السياسي الذي اشتهرت به ألمانيا الشرقية في العهد الشيوعي، حينها كان شتاسي محل حسد العديد من أجهزة الأمن في الدول الاستبدادية وكعبتهم التي يحجون إليها ويشرفون بالإطلاع على أحدث أساليب التعذيب.
كانت صحيفة الدستور في عهد الصحافي الكبير إبراهيم عيسى قد نشرت لي مقالاً كتبته عن تجربة المؤرخ البريطاني الذي أتاحت له الظروف قراءة ملفه السري المحفوظ في أرشيف الأمن العام الألماني. نقلت في المقال بعضاً مما قرأته عن قصة علاقة أكاديمي بريطاني بأشهر جهاز مباحث في العصر الحديث، وهي العلاقة التي بدأت، كما يقول المؤلف يوم عبر فيه حدود ألمانيا الشرقية في عام 1980 متوجهاً إلى برلين في مهمة دراسية. وقد دفعتني إلى الكتابة في هذا الموضوع ونقل القصة إلى القراء المصريين والعرب الزيادة غير العادية في التوتر الناشب في مصر وقت كتابة مقالي (2007) بين فئات وأفراد من الشعب من جهة والأجهزة المسؤولة عن الأمن الداخلي من جهة أخرى، وشعوري الأكيد بأن الحاجة صارت ماسة إلى صحوة قبل فوات الأوان.
عندما سقط سور برلين وتوحدت ألمانيا، فاجأت الحكومة الفدرالية في بون العالم بالإعراب عن نيتها فتح أرشيف جهاز «شتازي» لكل من يريد الإطلاع على الملف الخاص به في هذا الأرشيف. وعلى الفور طار تيموثي جارتون آش مدفوعاً بحسه الأكاديمي إلى ألمانيا طالباً الإطلاع على ملفه. وكان قد تأكد قبل سفره من اكسفورد أن اسمه مدرج في القوائم التي سجلت عناوين الملفات كافة. هناك في برلين، وفي مقر جهاز المباحث الذي تحول إلى متحف، كانت مفاجآت كثيرة في انتظاره.
لم يدر بخلد تيموثي أن الملف الذي يحمل إسمه كبير الحجم إلى هذه الدرجة التي وجده عليها بالنظر إلى أن زيارته التي قام بها عام 1980 لم تدم طويلاً، فضلا عن أنها لم تكن حافلة بالاتصالات أو اللقاءات المثيرة للشكوك. فقد سافر إلى برلين كطالب يريد أن يستكمل جانباً من دراسة استدعت الإطلاع على وثائق تاريخية باللغة الألمانية محفوظة في المكتبات العامة ببرلين.. واستدعت أيضاً لقاءات مع مؤرخين ألمان لتبادل الرأي حول بعض موضوعاتها. كان يعرف أن معلومات عنه لا بد وأن سبقته إلى برلين تنبئ عن نشاطه كواحد من الناشطين في الحركة الطلابية بجامعة أكسفورد.
امتدت يد تيموثي آش لتفتح الملف السميك بعدد صفحات تجاوز 350 صفحة، متشوقاً ليقرأ عن نفسه ما كتبه آخرون لم تكن الأمانة بين أولوياتهم وأخلاقياتهم. وبالفعل أطل عليه من بين السطور حجم هائل من الخداع والكذب وأشياء أخرى أسوأ كثيراً..أخرج من حقيبة يده مفكرته الشخصية التي كانت في حوزته خلال إقامته القصيرة في برلين ولم تكن تفارقه وقتها، وبدأ يقارن بين المعلومات الواردة في الملف عن تحركاته ولقاءاته وما أكل وما شرب، وبين ما سطره بيده في المفكرة. اكتشف على الفور وابتداء من الصفحات الأولى في الملف أن المخبرين الذين استخدمتهم إدارة المباحث الألمانية كانوا ينقلون عن مفكرته ولكن بتصرف معتدل أحياناً وبالكذب والتزييف في أحيان أخرى. هكذا عرف أن أحد هؤلاء المخبرين، أو إحداهن، لا بدّ أن يكون أحد الألمان الذين قامت بين تيموثي وبينهم في ذلك الحين علاقة صداقة أو علاقة عاطفية وحميمة.
لم يخطر على باله قبل أن يأتي إلى برلين أنه ستتاح له فرصة يندر أن تتاح مرة أخرى، وهي أن يقرأ بعينيه كيف كان يبدو للآخرين، بمعنى آخر يقرأ رواية كتبها هؤلاء تحكي ما تصوروه تفاصيل حياته. جلس يقرأ قرأ مرحلة من حياته من تأليف أشخاص آخرين، وبعضها تفاصيل لم يعشها فعلاً ولا يتذكرها، لأنها كانت من بنات خيال كاتبيها، أو تخيلاتهم لحياته وأسلوب معيشته. هؤلاء الأخرون هم المخبرون والضباط الذين ملأوا صفحات « الملف» «بحواديت» عن حياة طالب شاب حسب ما اعتقدوا أن تكون وليس حسب ما كانت فعلاً وفي الواقع.
تزاحمت الأسئلة في ذهن تيموثي. إذا كانوا إلى هذه الدرجة قريبين مني فلماذا هذا الاختلاف في الروايتين: روايتهم وروايتي؟ وإذا كانوا بشراً، وهم بالفعل بشر قبل أن يكونوا مخبرين ورجال أمن، فماذا كان حكمهم عليه وهو بشر مثلهم؟ ثم أنه لو عادت الأيام التي يحكي حكايتها «الملف» هل كان سيتصرف الشاب تيموثي أو أي شخص آخر في أي مكان آخر، كما تصرف، بعد أن عرف أن هناك من يراقبه ويحلل شخصيته ويسجل ويملأ صفحات ملف يحمل اسمه ويصبح جزءاً من ذاكرة الدولة.
وبينما هو يقرأ في ملف سيرته الذاتية في قاعة أرشيف مباحث أمن الدولة في برلين، طرأ سؤال جديد لم يجد له إجابة، ولا أظن أن أحداً غيره من قبله أو بعده بين كل الذين احتفظت لهم أجهزة أمن بملفات محشوة بتقارير لمخبرين مكلفين أو متطوّعين، وجد إجابة عليه. أما السؤال فهو «ما هو هذا الشئ الذي يدفع شخصاً ليصبح مدافعاً عن الحق وحرية أخيه الإنسان وكرامته ويدفع شخصاً آخر ليكون عدواً للحرية ووفياً لأفكار الدكتاتورية والاستبداد. لم يقتنع تيموثي صاحب الملف باستحالة وجود جواب عن السؤال، فذهب يبحث بنفسه عن المخبرين الذين تطوّعوا لكتابة أوراق هذا الملف وعن الضباط الذين كانوا يوجّهونهم ويحللون معهم المعلومات.
إكتشف آش خلال بحثه خارج المتحف أن «ميكائيلا» الرقيقة والوديعة كانت تكتب تقارير دورية عنه، وكانت تكتب أيضاً تقارير عن إبنة زوجها. وعرف أن أحد المحاضرين المتميزين في الجامعة وكان يلتقي به للتشاور والدرس تطوع لكتابة تقارير مقابل وعود بتحسين وضع أقدميته. توصل أيضاً إلى أن رجلاً إنجليزي الجنسية مثله، أي مواطناً، كان مكلفاً بكتابة تقارير استناداً إلى علاقة قامت بينهما، وأن سيدة معروفة تحمل على كتفيها تاريخ نضال طويل في الحزب الشيوعي الألماني، وكانت نهايتها على ما يبدو أن عملت مخبرة محترفة بدافع الولاء للنظام والعقيدة والوطن.
قابل الضباط الذين كانوا مسؤولين عنه وعن تحركاته. أحدهم كان تجسيداً لنموذج البيروقراطي «المنفذ للشر أو للخير أيُّهما يكلف به»، وآخر برتبة عقيد نادم على ما فعل. وقد وجد هذا الأخير غارقاً في شرب الكحول ومدمناً لدخان السجائر بعد أن تمكن منه الملل والشعور بفراغ الروح أو فراغ النفس، وهو أبشع أنواع الشعور التي يقول الأطباء إنها تصيب بعض من يمارس عمليات تعذيب أو تدبير فضائح وابتزاز.
يقول المؤلف، إنه فوجئ، حين لم يجد بين كل المخبرين وضباط «شتازي» الذين تعاملوا مع ملفه، إلا قليلاً جداً الذي اعترف بأنه واجه ماضيه وتألم، لأنه ارتكب أشياء فظيعة في حياته. وقد فوجئت مثله بما توصل إليه آش، ولكن بعد قليل من الدرس والتروي واستشارة أصدقاء متخصصين وجدت نفسي أتفق معه وهو يقول بأن قراءة ملف كهذا كالعثور على كنز معرفي. يعترف آش أنه قبل الاطلاع على الملف لم يكن يعرف أن الضعف الإنساني يمكن أن يؤدي إلى الهبوط إلى هذه الدرجة في الكذب ونقص الأمانة. لقد قرأ في الملف قصصاً وروايات تحكي عن مشاعر وممارسات حب تحتوي على تفاصيل صداقات قوية وصحية وصادقة ولقاءات اكاديمية. كانت الوقائع الأساسية الواردة فيها، كالزمان والمكان، صحيحة، ولكن كل شيء آخر تحيط به شبكة من الكذب أو الحقائق الناقصة والمشوهة. عدت بالذاكرة إلى الضجة التي ثارت في أعقاب فتح الأرشيف في برلين لعامة الناس ليقرأوا الملفات التي تحمل أسماءهم ـ وتذكّرت مشكلة تعرض لها أكثر من رجل اكتشف أن زوجته وابنته أو صديقته كانت من المخبرين الذين كتبوا تقارير عنه. كم من رجل أو امرأة عاش في ألمانيا الشرقية في عائلة أو بناية أو قرية ومن حوله دخان كثيف من الشكوك من أقرب الناس إليه، وفي جو ثقيل وفاسد من التصنت والتجسس ونقص الولاء والمزايدة على الوطنية والمبادئ واختلاط الشرف بالعار والصدق بالكذب والأمانة بالخيانة؟
يبقى السؤال الأخير، هل تجاوز الشعب في ألمانيا تداعيات هذه الكارثة؟ خاصة وقد عرف أن مباحث شتازي كانت توظف آلاف الموظفين وتستفيد من خدمات مئات الألوف من أبناء وبنات الشعب. هؤلاء وغيرهم كثيرون كانوا في خدمة جهاز استخدم معهم المغريات المادية والوعود بالمناصب الأعلى والوظائف المعتبرة في أجهزة الدولة والشركات الكبرى، ولكنه استخدم أيضاً الشر في أسوأ صوره وبأبشع أدواته، ولم يفته أن يستخدم الولاء للمذهب أو للطائفة أو للعقيدة أو للوطن. سألت كثيرين من أصدقاء ألمان وآخرين من رومانيا والمجر وبلغاريا عاشوا التجربة أو أخرى شبيهة، وأستطيع أن أؤكد أن الجروح، رغم انقضاء عقدين أو أكثر، لم تندمل بعد .
أعجبتني عبارة كتبها آش صاحب «الملف» في معرض حديثه عن شعوره وهو يقرأ عن حياته بأقلام أشخاص عديدين، يقول .. «شعرت ببعض الخجل وأنا اقرأ تقارير كتبها المخبرون عني.. أحسست بشعور الشخص الذي يتجسس على ما كتبه شخص آخر في شأن خاص بدون استئذانه». وأضاف أنه كان يقضي الساعات في أرشيف المباحث يقرأ معلومات عن نفسه مر على كتابتها عقدان، وبين الحين والآخر يغلب علي الإحساس «بشعور رجل في الأربعينيات من عمره يتجسس على شاب في العشرينيات» فينتابني الخجل مما أفعل. أنا أتجسّس على نفسي.
Comments:





