هل تتجاوز نظم الخليج ثورة العرب الراهنة؟
تخطت نظم الخليج وبلدانه الثورة العربية التي أعقبت الحرب العالمية الثانية وتشكل الدول المستقلة الحديثة، وبدأت أساسا مع ثورة الضباط الأحرار في مصر، التي قادها جمال عبد الناصر، ودامت نيفا وخمسة عشر عاما، سقطت بعدها بين يدي نظم سلطوية عمت العالم العربي من أقصاه إلى أدناه، وبلغت ذروة تطورها وعنفها في البلدان التي اعتبرت نفسها «ثورية وتقدمية «.
واليوم، والحركة الثورية العربية تدخل في طور نوعي جديد، وتنطلق من حامل جديد، ليس حزبا أو فئة أو طليعة أو ضباطا أحرارا أو مبطنة قلوبهم باللؤم والخسة، ولا تقتصر على بلد واحد، وإنما تنتشر كالنار في الهشيم وتجتاز حدود الدول والبــلدان والنظم، وترفع شعارات تتصل بالحرية والمواطنة وحقوق الإنسان والدولة المدنية، وتتطلع إلى إرساء أرضية جديدة لنهوض عربي شامل ركيزته إرادة الشعب الحر، الذي قرر أن لا يقبل من جديد بالمهانـة والذل، والقيم التي صنعت العالم الحديث والدول التي سبقتنا إلى الثورات الوطنية والقوميــة، وما ترتب عليها أو نجم عنها من انقلابات صناعية وعلمية وتقنية، وتاليا ثقافية وإنسانية، يطرح نفسه السؤال من جديد: هل ستتمكن دول ونظم الخليج من تجاوز المرحلة الحالية من ثورة العرب؟ ثورة بدأت من بلد طرفي هو تونس الخضراء، عانى من سائر العيوب والأمراض التي تعاني منها الدول والمجتمعات العربية، في ظل النظم السلطوية، وسرعان ما انتقلت إلى قلب العرب ورافعة نهوضهم ومركز قوتهم: مصر، أرض الكـنانة، التي تتقدم أجيالها الشابة اليوم فاتحة الطــريق أمـام حرية العرب واستعادة كرامتهم، تأسيسا لحقبة تاريخية جديدة نوعية وغير مسبوقة في أزمنتهم السياسية، ستكون اشد أثرا في وجودهم وحياتهم من أية الثورة السابقة، التي فشلت، وستتــرتب عليها نتائج يصعب اليوم تشخـيصها أو التنــبؤ بأبعادها، في ظل واقع عربي تتـشابه مفرداته الرسمية والشعبية، حتى يبدو وكأنه مستنسخ عن نموذج أصلي، بالغ السوء والتهافت، كاد أن يقـضي عليهم، بعد أن زرع ضروبا من اليأس القاتل في نفوسهم، قبل أن ينتفض شباب وشعب تونس، ثم شباب وشعب مصر، ليأخذا بيدنا إلى ما لم يكن أحد يتوقعه: ثورة الحرية.
كانت نظم الخليج، التي تشعر اليوم بعنف الزلزال، وتواجه تحديات مجتمعية قاسية وجدية في كل مكان، قد تجاوزت الثورة الأولى، ونجحت في احتواء آثارها بقوة التأخر والنفط، التي مكنتها من غمر أبنية المجتمع التقليدية (عشائر وقبائل وتكوينات ما قبل مجتمعية) بدولارات النفط، التي حقنتها بحداثة مشوهة حافظت على تقليديتها ووطدتها من خلال أشكال وأغلفة حداثة ظاهرية، أتاحت لها غمر تأخرها من خلال بعض ثمار التقدم المادية كالسيارة والمنزل الحديث والراديو والتلفاز والبراد والغسالة، والحفاظ على الأواصر ما قبل الحديثة بين الفرد والجماعة، التي ينتمي إليها، ويتعرف غالبا من خلالها، رغم أنها مكنته من الالتحاق بسياق مجتمعي إضافي، عندما صار تاجرا أو وسيطا أو صناعيا أو مهندسا أو طبيبا أو جامعيا أو أستاذا أو معلما أو مزارعا أو متعهدا... الخ. غيرت الدولارات مواقع الناس دون أن تغير ارتباطاتهم مع أبنية المجتمع التقليدية، وغيرت طابع ووظيفة الدولة بان حولتها إلى دولة ريعية صرف، تضبط المجتمع بما هو موزع أرزاق ترتبط بوظيفته هذه قطاعات واسعة من الناس، حققت تبدلا حقيقيا في حياتهم وحافظت على أوضاعهم القديمة ومواقعهم الجديدة من خلال تحديث نفسها أمنيا، علمها النمط الثوري، الذي كان يتحداها، الكثير من طرق وأساليب السيطرة والهيمنة والتحكم والقمع العنيف، وأفهمها كيف تقيم علاقات جديدة مع تشكيلات مجتمعها المتباينة، وتلعب بتناقضاتها، وتفيد من انقساماتها، وتوحد، بالمقابل، مركز القرار فيها، وتوطد الهوة التي تفصلها عن مجتمعها، وتحول بعض أشخاصه ومؤسساته إلى حملة قيم رمزية تجريدية الطابع، ليست ملموسة بالنسبة إلى المواطن العادي، الذي أفاد من نأيها عنه، دون أن يفقد منافعها، أو يتخلص من رقابة أجهزتها على حياته اليومية وسهرها عليها، أو يشعر بأنه فقد شيئا من علاقاته مع عالمه التقليدي، ضامن مكانته الشخصية وموقعه الاجتماعي والكثير من مصالحه الحديثة. بالتفاعل بين نظامي التأخر التقليدي والتأخر الثوري نشأ نظام سلطوي سماته مشتركة إلى حد بعيد، وكذلك آليات إعادة إنتاجه واشتغاله.
بعد الثورة المصرية الأولى، تخلق نظامان عربيان أخذا يتنافسان: واحد حضري مركزه مصر، وآخر بدوي مكانه الخليج ومركزه السعودية. وبدا كأن هناك سباقا بينهما على الحداثة ونمطها، لكنه يتم وفق خطة تتشابه جوهريا غرضها النهائي تحديث السلطة التي ستنقل حداثتها إلى قطاعات من المجتمع تصير حاملها ومجتمعها، من خلال دولة يديرها جهاز أمني شامل، يمسك بمعظم موارد البلاد وبمصادر القوة والثروة ووسائل الاتصال الجماهيري والمؤسسات التعليمية، علما بأن حامل النظام الأول كان طبقة وسطى حضرية والثاني حلف قبلي بدوي يدور حول عشيرة ملكية. في هذا السباق، لعب الدولار النفطي دورا حاسما كوسيلة لاحتواء المجتمع والتحديث الانتقائي لقطاعاته، بينما أدى افتقار نموذج الطبقة الوسطى الشعبي إلى تعثر التجربة، التي ما لبثت أن تلقت ضربة خارجية قاصمة هي الهزيمة العسكرية على يد العدو الإسرائيلي خلال حرب حزيران من عام 1967، أدت إلى تخليه التدريجي عن بعده الاجتماعي والقومي، وتحويله إلى سلطوية محلية ازدادت تشابها بمرور الوقت مع ما هو سائد في الخليج، خاصة بعد تحولها بدورها إلى حكم أسري / عائلي قبيلته الفاسدون والمفسدون والمنتفعون والطفيليون، الذين أمسكون بمقدرات مصر، وأطاحت بهم مؤخرا ثورتها.
والآن، وبعد أن تمتعت نظم الحليج بفترة هدوء نسبي طويلة، امتدت من نهاية الستينيات إلى البارحة، وبعد أن تجاوزت السعودية، كغيرها من النظم العربية، موجة المطالبة الأولى بالإصلاح التي بدأت عام 2000/2001، وأخمدتها كغيرها بنجاح، ثم تخطت اختراق القاعدة، الذي بدأ خلال الأعوام التالية لنزول الجيش الأميركي في أراضيها عام 1990، وتصاعد خاصة بعد غزو العراق عام 2003، تستعيد حركة الإصلاح أنفاسها في الخليج وتتقدم بمطالب أكثر جذرية ووضوحا من مطالبها الأولى، تستهدف غالبا إقامة ملكيات دستورية ونظم تمثيلية فوق، وحريات وأحزاب ونقابات وصحافة وجامعات حرة تحت، بينما تنشب في أكثر من كان موجات احتجاج وغضب شعبي أصلية وعميقة، بلغت حد التمرد في سلطنة عمان، والصدام مع الشرطة في الكويت والسعودية، والمطالبة بإسقاط النظام في البحرين، بينما اليمن مشتعل منذ نيف وشهر، ونظامه عاجز، رغم ما استعمله من عنف مفرط، عن إطفاء نيران الغضب الشعبي الواسع، الذي يطالب بإسقاطه ورحيل رئيسه علي عبد الله صالح، وملايين شباب العراق يحتلون الشوارع، ضاربين عرض الحائط بفتوى صدرت عن المرجعية تحذرهم من التظاهر، وبتهديدات المالكي، تتركز مطالبهم على التخلص من الفساد ومن النظام السياسي الذي أقامه الاحتلال.
هل سيتخطى الخليج الموجة الثورية الراهنة، كما تخطى التي قبلها؟ أعتقد أن ظروف دوله اختلفت اليوم كثيرا عن الخمسينيات، وأن حال مجتمعاته مع نظمه تشبه حال مجتمعات الحضر مع نظمها، في نقطة جوهرية تتلخص باختصار في الفكرة التالية : بما أن ممارسات الحداثة تشابهت، والنظم التقليدية تحولت إلى نظم سلطوية تشبه في ممارساتها وكثير من هياكل بيروقراطيتها وأجهزتها هياكل النظم «التقدمية «، وبالنظر إلى أن جسدية المجتمع نمت وتحدثت بالتعليم والتخصصات المعرفية والأعمال والصناعة والتجارة والزراعة والتواصل مع العالم، فإن قميص السلطوية الحديدي صار ضيقا هنا أيضا عليها، وخاصة بالنسبة إلى الطبقة الوسطى، التي تقدمت كثيرا على الصعيد الاجتماعي ولم تنل أي دور على الصعيد السياسي، بينما تعاظم فساد النخب السلطوية واستأثرت بالنصيب الأكبر من ثروات البلاد، ليجد الخليجيون أنفسهم أمام الظاهرتين اللتين دفعتا مجتمعي تونس ومصر إلى الثورة : النظام القمعي الذي يدير بالعنف مجتمعه، والهوة الاجتماعية التي أنتجها الفساد، وخلقت مجتمعين متناقضتين: احدهما خاص بالسلطة، والثاني بالناس. واحد غارق في النعيم والثاني في البؤس، واحد يرفض أي إصلاح لأحوال لثاني أو أي حوار معه، ويعامله معاملة العبيد، لم يترك له خيارا غير الموت أو التمرد، بعد أن أمعن في التسلط والاستيلاء على كل شيء، وتحول نظامه إلى نظام بلطجة يفتقر إلى أي وظيفة وطنية أو تنموية. كان من الحتمي أن يمزق جسد المجتمع الحديث قفص السلطوية الحديدي، الشخصي والمتأخر، الذي يخنقه ويسلبه حقوقه ويمد يده إلى جيبه ويستبعده عن أي شأن ويتحكم بشتى مناحي وجوده، بينما تمس حاجته هو إلى سلاح يرد عنه غائلة السلطوية، وجده في الحرية: الحاضنة الوحيدة التي تمكنه من إعادة الأمور إلى طبيعتها، والحقوق إلى المحرومين منها، والوطن إلى شعبه.
تعيش بلدان الخليج وضعا مشابها من وجوه كثيرة لوضع تونس ومصر. هنا أيضا تصير الحرية حاجة لا غنى عنها لوضع الأمور في نصابها الصحيح سياسيا، ولحصول الشعب على حقوقه اقتصاديا، وبناء حياة سياسية / وطنية سليمة. وتؤكد الأنباء الآتية من هناك أن السلطوية البدوية وضعت في تلك البلدان المواطن أمام المشكلات عينها، التي نواجهها في البلدان الحضرية، أو أمام مشكلات تشبهها لن تكون ردوده عليها مختلفة كثيرا عن ردونا نحن، وإن تمت أول الأمر على عتبة أدنى، فلم تطالب بإسقاط النظام بل اكتفت بتغييره كنظام ملكي مطلق، تريد أن تستبدله بملكية دستورية ليس الملك فيها غير مجرد رمز، تتيح بناء نظام حديث دستوري وتمثيلي، على غرار ما يريده الثوار في البلدان الأخرى: غير الملكية.
هل ستتجاوز نظم الخليج أزمة السلطوية مع مجتمعاتها؟. أعتقد أن مهمتها ستكون هذه المرة أصعب بكثير مما كانت عليه في المرة السابقة, لاعتبارات كثيرة أهمها أن الدولار النفطي لن يخمد مطلب الحرية، ولم يحل المشكلة السياسية، التي تتصل بضرب من حق المجتمعات في تقرير مصيرها بنفسها، فهي تتخطى مسألة الطعام والشراب، وأسعار السكر والشاي والرز، ومطلب الحرية لا يخمده شيء كتحقيقه من خلال استعادة حقوق المواطنة المسلوبة، وثروات المجتمع الضائعة، وكرامة الوطن المهدورة!.
Comments:




