مصر في مواجهة الموساد مرة جديدة
مرةجديدة تنجح قوى الأمن المصرية في إبطال فخاخ الشر الإسرائيلية المنصوبة لمصر صباح مساء كل يوم، ونجاح أجهزة الأمن المصرية في الأسابيع القليلة المنصرمة في الإيقاع بشبكة جاسوسية تتبع جهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلية الشهير بـ«الموساد» يجاوز هذه المرة السياقات المحلية المصرية إلى الحدود الإقليمية العربية، ما يدلل على أن إسرائيل لا تزال تضع نصب أعينها التجسس كأداة لتحقيق أغراضها في المنطقة العربية، وعندها إيمان مطلق كما أشار الى ذلك اشير جنزبرج ذات مرة بأن هناك حتمية لأن يسود شعبنا على كل الشعوب الأخرى، لأن إسرائيل هي الأمة العليا التي تملك القدرة على التوسع وعلى ان تصبح سيدة العالم، وما خلقت الأمم الأخرى إلا لتخدم هذه النخبة المختارة.
ولعله يتحتم علينا ولو في عجالة أن ننشط ذهن القارئ بما هو الموساد وماهي مهامه حتى يتضح لماذا يتصرف على هذا النحو؟
تعود البدايات الى العام الأول الذي تلي قيام دولة إسرائيل أي سنة 1949 ففي ذلك الزمان اقترح رؤوفين شيلواح عضو الشعبة السياسية للوكالة اليهودية والذي كان مقربا من رئيس الوزراء الإسرائيلي دافيد بن جوريون على الأخير إقامة هيئة مركزية لتركيز وتنسيق نشاطات أجهزة الأمن والاستخبارات.
كان مولد (أل لي موساد هات يوم) أي هيئة التنسيق والتي عرفت دائما باسم الموساد في 13 ديسمبر من عام 1949 وقدر لهذه الهيئة منذ ذلك الزمان أن تسيطر على الدائرة السياسية في إسرائيل، كما ان الجهاز يعمل بصفته مؤسسة رسمية بتوجيهات من قادة الدولة ووفقا للمقتضيات الاستخباراتية والعلمية المتغيرة مع مراعاة فائق الكتمان والسرية في أداء عمله.
وتوجز إسرائيل مهام الموساد في عدد من النقاط الظاهرة، وهي بالطبع غير الأهداف الحقيقية الخفية ومنها:
** جمع المعلومات بصورة سرية خارج حدود البلاد.
** إحباط تطوير الأسلحة غير التقليدية من قبل الدول المعادية وإحباط تسلحها.
** إحباط النشاطات التخريبية التي تستهدف المصالح الإسرائيلية واليهودية.
** إقامة علاقات سرية خاصة خارج البلاد للحفاظ على هذه العلاقات.
** إنقاذ اليهود من البلدان التي لا يمكن الهجرة منها الى إسرائيل.
** الحصول على معلومات استخباراتية وإستراتيجية وسياسية.
** التخطيط والتنفيذ لعمليات خاصة خارج حدود إسرائيل.
والشاهد أن النقطة الاخيرة هذه بوجه التحديد والتخصيص هي الركيزة الأساسية لأعمال الموساد، والدليل على ذلك عمليات تجسسها الخارجية لا على الأعداء فقط بل على الأصدقاء، وخير دليل يمكن أن يميط اللثام على تفكير إسرائيل في التجسس هو قضية محلل الاستخبارات البحرية في الولايات المتحدة الامريكية المدعو جوناثان بولارد، والذي ترفض واشنطن الإفراج عنه حتى الساعة بسبب فداحة جرمه، وهول الكارثة التي تسبب فيها لأنظمة التسليح الامريكية، والتي سلم نسخ منها الى إسرائيل، وهذه بدورها استخدمتها في المقايضة مع موسكو من أجل ترحيل المزيد من اليهود الروس الى إسرائيل، حتى لو كان الثمن هو أسرار أمريكا الحربية وقد تكبدت وزارة الدفاع الامريكية خسائر في ثمانينات القرن المنصرم تتجاوز المليارات من جراء تلك العملية، وحتى الآن لم يفلح أي رئيس وزراء إسرائيلي في الضغط على أي إدارة أمريكية للإفراج عن بولارد رغم منحه الجنسية الإسرائيلية واعتناقه لليهودية.
وأهداف الموساد في العالم العربي غير خافية على أحد ويمكن أن نقترب من فهمها عبر مستويين تاريخيين أحدهما يعود إلى بدايات دولة إسرائيل والآخر لم تمض عليه سوى أسابيع قليلة.. ماذا عن ذلك؟
أما المشهد البعيد فنجده بين دفتي أوراق مذكرات موسى شاريت وزير الخارجية ورئيس وزراء إسرائيل الأسبق وفيه يتحدث عن أهمية تفتيت الدول العربية من الداخل ويضرب هدفين على ذلك أما الهدف الأول فهو لبنان، وضرورة ان تسعى إسرائيل لفك وحدة ارتباطها الطائفي وتشجيع الموارنة على نحو خاص من اجل إقامة دولة مستقلة لهم في لبنان، والثاني مصر وحتمية استخدام الأقباط كأداة لتحقيق مثل هذا الهدف لاحقا، أي العمل في الأوساط القبطية من اجل تشجيعهم على الانقسام وإثارة المشاكل للدولة المصرية التي كانت على مشارف القيام بثورتها 1952 والخلاص من الاحتلال الانجليزي المرير.
والمقطوع به ان سياق الأحداث تاريخيا يشير الى ان إسرائيل قد قطعت شوطا بعيدا في هذين الهدفين ومن أسف شديد، وهذه قضية قائمة بذاتها وفي حاجة الى أحاديث مطولة.
ومن القديم الى الحديث تأخذنا المؤامرات الإسرائيلية فنجد مدير الاستخبارات العسكرية السابق عاموس يادلين يخرج علينا غداة تسليمه منصبه بتصريحات مفادها ان إسرائيل وعبر اذرع التجسس الطويلة قد لعبت - وحتما لا تزال - دورا واضحا في جنوب السودان الذي بات انفصاله تحصيل حاصل ثم كان تأكيده على التدخل فيما أضحى يسمى الملف القبطي في مصر من اجل زرع الفتنة بين المصريين الذين عاشوا معا مسلمين ومسيحيين طوال أربعة عشر قرنا.
هل الجاسوسية شأن جديد فيما خص تاريخ آل إسرائيل في القديم والحديث؟
عند الإمبراطور الفرنسي الأشهر نابليون بونابرت أن جاسوسا واحدا يكفي عن ثلاثين ألف جندي في المعركة، ويبدو أن إسرائيل قد اكتشفتها مبكرا واتبعتها منذ زمن طويل ففي التوراة أحاديث عن رحاب المعروفة بالريحاوية نسبة الى مدينة أريحا، والتي ساهمت في تقويض دعائم ملك الكنعانيين، كذلك دليلة أول جاسوسة استخدمت محاسنها لإغواء شمشون، وغيرها من قصص الجاسوسية اليهودية التي حفلت التوراة باستعراض أدوارهم في دعم العقيدة اليهودية.
ومع وقبل قيام دولة إسرائيل بشكلها الجديد عام 1948انتبه اليهود مبكرا لأهمية أجهزة التجسس كأحد العناصر الضرورية للمشروع الصهيوني في فلسطين، ومع نشأة الوكالة اليهودية ذلك التنظيم الذي اخذ على عاتقه مهمة تأسيس الدولة في فلسطين مهما كانت الصعوبات، ومن اجل هذا الهدف تجسس اليهود على العرب والأتراك والانجليز، كما عملوا لصالح الانجليز تارة وضد الأتراك والألمان تارة أخرى، وانتشرت شبكات التجسس الصهيونية في مصر وسوريا ولبنان والأردن وتركيا وفلسطين، وغيرها لخدمة أهداف الوكالة اليهودية وما تفرع عنها من منظمات عسكرية أخذت على عاتقها مهمة تنفيذ أهداف المشروع الصهيوني بالقوة والاغتصاب.
ولم تنس الوكالة اليهودية ان تكون لها شبكاتها العالمية للوصول للهدف الأكبر وأطماعهم لذا فقد انشات الوكالة اليهودية فروعها في باريس وروما وبرلين ولندن وزيورخ وفينا وموسكو وغيرها من عواصم العالم لتكون لها بمثابة الأذرع الأخطبوطية الممتدة لتحقيق مآربها.
ومما لا شك فيه أن إسرائيل ومنذ نشأتها تحاول الترويج لفكرة أنها الدولة التي لا تقهر وصاحبة جهاز الاستخبارات الذي لا يهزم في ارض المعارك الخفية والخلفية ويدعمها في ذلك حضور إعلامي غربي لا شك فيه، لكن واقع الحال يشير إلى غير ذلك فإخفاقات الموساد واضحة وظاهرة للعيان.. كيف وأين؟
يمكن للمرء في هذا السياق أن يرصد قولا وفعلا سلسلة من الهزائم التي منى بها الموساد الإسرائيلي منذ خمسينات القرن الماضي وحتى سقوط شبكة الجاسوسية التي ركزت اهتماماتها على شبكات الاتصالات الهاتفية في عدد من الدول العربية وتردد أن تجنيد مسؤول سوري رفيع المستوى من خلالها كان وراء عملية دير الزور التي قصفت فيها طائرات إسرائيل مفاعل نووي سوري منذ بضعة أعوام، وفي كل الأحوال يمكننا أن نشير إلى بعض من تلك السقطات والإخفاقات وفي مقدمتها:
** في عام 1954 من القرن المنصرم تعرض الموساد لضربة مصرية قاصمة عبر ما عرف بفضيحة لافون حيث كشفت المخابرات المصرية خلية تابعة لمخابرات الجيش الإسرائيلي من اليهود وكانت الخلية قد ألقت قنابل حارقة على مواقع يرتادها غربيون لإحراج القاهرة وإثنائها عن تأميم قناة السويس واضطر وزير الدفاع الإسرائيلي بنحاس لافون الى تقديم استقالته بعدها.
** عام 1963 اعتقلت الشرطة السويسرية إسرائيليا ونمساويا بعدما اتهمتهما ابنة عالم ألماني بتهديدها في إطار حملة ترويع قام بها الموساد لألمان يشتبه بأنهم ساعدوا برنامجا مصريا للصواريخ واستقال ايسار هاريل رئيس الموساد.
** 1967 اعتقل شخصان في ألمانيا يشتبه بأنهما ضابطان في الموساد أثناء مداهمتهما منزلا يعتقد أنه ملك مسؤول سابق في البوليس السري الألماني.
** 1973 قتل أفراد تابعون للموساد بالرصاص في النرويج نادلا مولودا في المغرب بعد أن ظنوا أنه أحد الفلسطينيين الذين دبروا لهجوم قتل فيه 11 لاعبا إسرائيليا خلال دورة الألعاب الاولمبية في ميونيخ عام 1972.
** في 1985 اعتقلت الاستخبارات الأمريكية المحلل في البحرية الأمريكية جوناثان بولارد لنقله معلومات مخابرات إلى لاكام وهي وكالة إسرائيلية متخصصة في التعاون العلمي.
** 1987 احتجت بريطانيا لدى إسرائيل على ما وصفته لندن بأنه إساءة استخدام سلطات إسرائيلية لجوازات سفر بريطانية مزيفة وقالت بريطانيا إنها تلقت تأكيدات من إسرائيل بعدم تكرارها هذا الأمر.
** 1991 اعتقل أربعة إسرائيليين خلال محاولة على ما يبدو لوضع أجهزة تنصت في سفارة إيران بقبرص.
** 1997 ألقت السلطات الأردنية القبض على اثنين من عملاء الموساد بعد محاولة فاشلة لاغتيال خالد مشعل القيادي في حماس.
** 1988 تم الكشف عن مجموعة من الإسرائيليين تحاول التنصت على هواتف شخص يشتبه بأنه من أعضاء حزب الله في سويسرا. وفي قبرص اعتقل شخصان يشتبه بأنهما ضابطان في الموساد واتهما بالتجسس على منشآت عسكرية حساسة.
** 2004 أصدرت محكمة في اوكلاندا بنيوزيلندا قرارا بسجن إسرائيليين اثنين لمدة ستة شهور بعدما اعترفا بمحاولة الحصول على جواز سفر نيوزيلندي مزيف.
والمقطوع به أن هناك علامة استفهام حول العملية الأخيرة والتي سقط فيها جاسوس جديد لإسرائيل وتتعلق بالنوعية الجديدة من المعلومات التي تريدها إسرائيل فماذا عن ذلك؟
يلفت النظر أن الهدف لم يكن قواعد عسكرية أو صفقات سلاح أو أسلحة حديثة كما جرت العادة منذ عشرات السنين، بل كان الهدف هذه المرة قطاعا جديدا نسبيا في عالمنا العربي، هو قطاع الاتصالات والذي يتماس ولا شك مع كافة مناحي الأمن القومي العربي، ذلك أن من يقدر له اختراق هذا القطاع قادر على أن يحصد ما في مغارة علي بابا إن جاز التعبير الأسطوري من كنوز المعلومات بأنواعها عسكرية كانت أو سياسية أو اقتصادية وغيرها من البيانات والمعلومات التي قال ضابط التشغيل الإسرائيلي مؤخرا للجاسوس المصري إن إسرائيل على استعداد لدفع ملايين الدولارات من أجل اختراق هذا القطاع.
أما الشق الثاني والجديد هذه المرة هو تركيبة العملية فالجاسوس مصري يتم تجنيده في الصين، ويتلقى تدريباته في عدد من الدول الآسيوية، ثم يعمل وينجح أحيانا في تجنيد عدد من العملاء العرب وغيرهم في الدول العربية وحتى دون العودة الى مصر، وهذا أمر يؤشر إلى إشكالية جديدة تواجه قوى الأمن العربية، في ظل جاسوسية معولمة أو جاسوسية كوسموبوليتنية إن جاز التعبير.
لماذا مصر أبدا ودوما تبقى هدفا واضحا لا يغيب عن أعين إسرائيل؟
يمكن القول بموضوعية ودون مغالاة أن إسرائيل دولة دينية تنطلق من رؤى توراتية دوجمائية لا تحيد عنها وغالبية أسفار التوراة التي هي عصب الفكر اليميني الإسرائيلي بل والصهيوني المتطرف، تعادي مصر عداوة بالغة الضراوة، نقرأ على سبيل المثال ما يكتبه أشعياء بن أموص أحد أنبياء بني إسرائيل إذ يقول سأفني جماهير مصر بيد نبوخذ نصر فتمتلئ أرضها بالقتلى وأجفف مجاري نهر النيل وأبيع الأرض لقوم أشرار واضرب البلاد فيها بيد غرباء أنا الرب قضيت.
أما حزقيال فيقول: أضع سيفي في يد ملك بابل فيجرده على ديار مصر، وأبدد المصريين بين الأمم وأفرقهم في البلدان فيدركون إني أنا الرب.
ويبقى القول قبل الانصراف انه في ظل هذه الرؤية العنصرية القاتلة يضحى من الطبيعي السعي الإسرائيلي للتجسس على مصر، حتى ولو كانت بينهما معاهدة سلام فإسرائيل ألد أعدائها السلم والسلام، إذ فطرت على الحرب وتريد ان تبقى أبدا ودوما مستندة حد السيف وفاتها ان من قتل بالسيف فبالسيف يقتل.
Comments:




