دفــاعــاً عــن «ثــورة لـيـبـيــا»
حتى مساء الاحد الماضي كان العقيد معمر القذافي يخوض - من حيث المبدأ - معركة خاسرة ضد خصومه، وكان يبدو ان «ثورة ليبيا» ضده قادرة على الصمود بوجه قواته في حرب داخلية بحتة.
...فجأة وفي مساء الاحد الماضي، ومع دخول قوات حــلف الاطلــسي المعركة ضد القذافي بدا انه - ومن حيث المبدأ ايضا - يخوض معركة تستهدف موته باغتياله من الجو، ولكنها معركة لا يمكن ان يخسرها حتى وإن فقد حياته فيها، لأن «ثورة ليبيا» لن تقبل ان تترك حلف الاطلسي يقرر مصيرها.
فجأة اصبح حلف الاطلسي اهم مساند عسكري للعرب ولثورتهم الديموقراطية، وفجأة ايضا وجد بعض النظم العربية من الشجاعة ما يجعله يرسل طائراته الحربية للانضمام الى طائرات حلف الاطلسي الحربية في عمل حربي تدميري من الطراز الاول ضد بلد عربي.
كان جميع العرب يدركون ان الشعب الليبي - بمن فيه اولئك الذين يحاربون القذافي - يرفض الاستعانة بقوات اجنبية، فضـلا عن ان تكون قوات حلف الاطلسي، انما استبعد منها من لا يوافق على ضرب الاهداف الليبية وفي مقدمتهم تركيا. وفجأة ايضا برز من بين من اطلقــوا على انفسهم من البداية وصف الثوار ضد حكم العقيد القذافي من يقول إن الطائرات الاميركية والبريطانية والفرنسية والكــندية والبلجــيكية (مضافاً اليها طائرات من قطر ومن الإمارات انما تضــرب اهدافاً إسرائيلية في ليبيا. كان هذا تأكيداً منهم بأنهم يعـرفون ان عربياً لا يمــكن ان يؤيد قيام القوات الجـوية الاطلســية بضرب اهداف ليبــية، حـتى لو كان الهدف هو القضاء على نظام العـقيد القذافي. اخــتلاق دور لإسرائــيل هو المبرر الوحيد الذي يمكن قبوله لضرب ليبيا بواسطة القوات الجوية الأطلسية.
هكذا فجأة ايضاً، اصبح على العرب ان يــصدقوا ان حلف الاطلسي يمكن ان يلوح بأسلحته الجوية - فضلا عن ان يستـخدمها ـ ضد أهداف إسرائيلية، بحجة انها تدعم القوات الموالية للقــذافي. مجموعة مفاجآت غير قابلة للتصديق مهما زعم عن سذاجة العرب او جهلـــهم او طيبة قلوبهم.
انما تصدى لهذه المفاجآت التي لا تقبل التصــديق معلقون غربيون من دول الاطلــسي ذاتها التي ارسلت قاذفــاتها ومقاتلاتــها وحاملات طائراتها لضرب ليبيا. اعترضوا على الزعم بأن دول حلف الاطلسي اصبحت هي الضامن لاستقلال ليبيا، او ان دور الحـلف الآن هو تطبــيق قرارات مجلس الامن. صحيفة واشنطن بوست الاميركية تحدثت عن تناقض الرسائل الصادرة من ادارة الرئيس باراك اوباما بين تواضــع كاذب يتناقض مع الدور الكبير للسفن الحربية والطــائرات الامــيركية ضد القوات الليبية، وتناقض القول بأن اميركا انما تقف على حافة تحالف عسكري يضم هذا العــدد من دول تتمــتع بعضوية حلف الاطلــسي ومعها دولتان عربيتان تحاولان الاستناد الى قرار اصدرته الجـامعة العربية، لا يتجاوز حدود منع التحليق الجوي في سمـاء ليبيا. وقالت واشنطن بوست إن هذا تحد خطير يواجه ادارة اوباما التي كانت تزعم انها تهدف الى اصلاح علاقاتها مع العالم الاسلامي. فضلا عن انه سلوك لا يمكن ان يتماشى مع الوضع المتهاوي للاقتصاد الاميركي. وتساءلت الصحيفة الاميركية: هل هذه استراتيجية جديدة لأوباما تقوم على الاعتماد على القوة الاميركية؟
صحيفة الجورنالي الايطالية بادرت الى التحذير الذي لم تبادر اليه اي من الحكومات العربية او المؤسسات الاعلامية العربية، قالت: إن ايطاليا ستدفع ثمناً غالياً يتمثل اولا في النفط، وثانياً في اللاجئين من الشمال الافريقي الى السواحل الايطالية.
ولا تزال انباء الحرب الجوية التي تضرب فيها طرابلس بالصواريخ الاميركية والبريطانية والفرنسية باستخــفاف، كأنما هي ألــعاب نارية في احتفالات الديموقراطية الغـربية وهي تقترب من ليــبيا. ويقــول نيبويزا ماليتش الصحافي الصربي الاكثر شهرة في الغــرب، انه كان واضحا من البداية ان الثوار المناهضين للقذافي كانوا - من خلال تناقض انبائــهم عــن معاركــهم وانتصــاراتهم التي لم تتـم الا في اخيلتهم ـ كانوا يتطلعون من البداية الى تدخل اجنبي الى جانبهــم. وهــذا ما يجعلهم يختلفون عن كل الثوار (العرب) الذين سبقــوهم في تونــس ومصر واليمن. ولا يستـغرب بعد ذلك ان يرى ماليتــش في العــملية الجوية التي تجتاح ليبيا من جانب حلف الاطلسي تكراراً لما حدث ليوغوسلافيا من جانب القوى الاطلسية ذاتها فيما اصبح يعرف باسم حرب كوسوفو.
مع ذلك فإن الجنرال الاميركي، الذي قاد القوات الاطلسية في الحرب ضد يوغوسلافيا عام 1999 وهو الجنرال ويزلي كلارك، كان في مقدمة من عارضوا اجتياح ليبيا، مؤكداً ان ليبيا ليست كوسوفو بل تختلف عنها كثيرا. وقال كلارك إن حلف الاطلسي كان يمتلك تفويضاً صحيحاً من جانب الامم المتحدة في حرب كوسوفو، بينما لا يملك مثل هذا التفويض بالنسبة لليبيا. وقد بدا واضحا لكثير من الكتاب الغربيين ان حلف الاطلسي لم يكن يستطيع ان يتأخر اكثر مما تأخر بالفعل، لأن القوات المناهضة للقذافي كانت موشكة على الانهيار، وكانت القوات الموالية للقذافي توشك على دخول بنغازي آخر معاقل الثوار لإنهاء القتال.
خلال التطورات التي رافقت الحملة الجوية الاطلسية لم يتضح بصورة جلية على نحو كاف سوى حقيقة واحدة، هي ان الغارات الجوية ضد اهداف طرابلس القيادية ترمي الى اغتيال القذافي. فاذا ما تم لها ذلك امكن للحلف ان يرتب الامور على اساس زوال هذه العقبة الكأداء.
لن يؤدي غياب هذا التقدير الى تراجع الاطلسي عن التدخل. والسبب بسيط للغاية كما عبر عنه صحافي غربي وليس عربياً قال إن أحداث ليبيا قد ادت الى إحياء الغريزة الاستعـمارية لدى دول «الناتو» (...) والمعنى نفسه عبرت عنه الأممية الاشتراكية الرابعة في موقعها الالكتروني على الانترنت حيث قالت «إن التدخل العسكري في حرب ليبيا من جانب دول حلف الاطلسي ربما يجد في قرار مجلس الأمن بفرض الحــظر الــجوي ضوءاً اخضر له، ولكن هذا لا دخل له على الاطلاق بالحجــج الانســانية التي تسوقها الدول الكبرى. الأحرى انه (هذا التدخل) يمثل االرغبة الامبريالية العنيفة في إخضاع مستعمرة سابقة. إن القذف بالقنابل من جانب الطائرات الفرنســية والبريطانية والامــيركية لن يحمي حياة البشر. انما هو سيحول البلد الى ميدان قتال يسقط فيه من الأبرياء آلاف الضحايا».
وماذا عن الاهداف الديموقراطــية؟ يقول بيان الأممية الرابعة إن هذه الحرب الاطلسية «ستجري من دون اية شرعــية ديموقراطــية. وليس هناك ادنى مؤشر الى ان شعوب البلدان الــضالعة فيها تؤيدهــا. ومرة اخرى فإن مبالغ طائلة من المال تنــفق على حــرب في الوقت الذي تعلن فيه هذه الدول التي تشنها انها لا تملك نقوداً لبرامجــها الاجتماعية. اما اولئك الذين يقولون إن حــرباً على قواعد القذافي ستــدعم حــركة معارضة ديموقراطــية ضد دكتــاتور دموي ينبغي ان يجيبوا على التساؤلات التالية: لماذا لا تطبق القوى الكــبرى المعايير نفسها في أفغانستان وباكستان، حيث نظم الحكم التي يساندونها تستخدم عنفاً وحشياً ضد اي معارضة؟ وماذا عن البحرين - المقر الرئيسي للأسطول الخامس الاميركي، حيث اطلق الشيخ خليفة النار على محتجين غير مسلحين ودعمته السعودية؟ ثم ماذا عن غزة حيث الدول نفسها تقف جانباً بينما الإسرائيليون يذبحون الفلسطينيين؟ وماذا عن اليمن حيث الرئيس علي عبد الله صالح المدعوم من الغرب اطلق النار فقتل نحو خمسين محتجاً؟»
وكتبت الصحافية الاميركية اليسارية فيليسيتي اربوثنوت في موقع «انفورميشن كليرنغــهاوس» على شبكة الانتــرنيت تصــورها عــما سيقع ويوصف بأنه «اخطاء صغيرة» اثــناء هذه الــحرب على ليبيا بحجة دعم المعارضة الديموقراطيــة: «سيقع تدمير بشــري، امــهات وآباء وأطفال ومواليد وأحفاد وعميان وطرشان وما الى ذلك. وستبقى عجائب الآثار الرومانية كما بقــيت من قبل ... البنية التحتية ستدمر. سيبقى الحظر في مكـانه ليعاد بناء المســتحيل. ستقرر بريطانــيا وفرنسا والولايات المتحدة ان ذلك البلد يحتاج لتحقيق الاستــقرار وسيحتاج للمساعدة على اعادة البناء. وسيــتحرك هــؤلاء لتــأمين المنشآت النفطية وحقول النفط وسيتحول الشعب الليــبي الى عقبة عارضة وسيصبح سريعاً العدو والمقاومة، فيطلق عليه الرصاص ويسجن ويعذب ويساء اليه، وستقام حكومة عميلة لتكون العوبة بيد الولايات المتحدة».
وعلى موقع الانترنيت نفسه كتب الصــحافي الاميركي روبرت نايمان مؤكداً ان كثيرا مما نشــر (في الولايات المتحدة خاصــة) عن قرار مجلس الامن رقم 1973 كان ينطوي على تضليل. فالقرار «لم يفــوض تدخلا عسكرياً من اي نوع لأي غرض. انما سمح قرار مجلــس الامــن باتخاذ العمل العسكري اللازم لحمــاية المدنيين. لم يخول فــعلا عــسكرياً لإسقاط الحكومة الليبية. ومن الواضح ان بعض الناس يريدون تدخلا عسكرياً أجنبيا للمساعدة في إسقاط الحكومة الليــبية، لكن مثل هذا العمل لا يلقى موافقة مجلس الامن. ويقول نايمان ان تصرفات الدول الاطلــسية ضد ليبيا انما تحول مجلس الامن الى مادة للسخرية حين تنفي صحة ما اعلنته حكومة ليبيا من انها قررت وقف إطلاق النار تنفيذاً لقرار مجلس الامن».
ربما أسرفنا في ذكر هذه الأمثلة من الغرب ..انما ذلك لكشف مدى عمق الصمت المريب الذي تقفه الحكومات العربية ومؤسسات الاعلام غير المستقلة ازاء هذه القضية.
لا يمكن ان يخــتلف اثنان ثوريان من وطنــنا العــربي في ظروفه الحيوية الراهنة على ان التدخل الأجنبي لا يمكن ان يعــجل بخــروج الشــعب الليــبي من كابـوس حـكم ارهقــه طوال هذا الزمن. ولا يمــكن ان يختلف اثنــان من أجــيال الثورة العــربية على انه لو عــجلت الولايات المتحدة ـ وحــدها او مـع دول الاطلـسي الاخرى ـ في التدخل بشؤون تونس اثــناء ثورتها على نــظام بن علــي او بشــؤون مــصر اثناء ثورتهــا للإطاحــة بنظام حــسني مبارك، لما لقي هذا التدخــل تاييداً يستــحق الذكر من الثوار في ايهما. وينطــبق هذا بالمثل على البحرين وعلى اليمن، كما سينطبق على اي بلد عربي اخر تضاء فيه مشاعل الثورة.
فلماذا لا ينطبق هذا على التدخل الاجنبي الصارخ في شأن الثورة الليبية؟
الإجابة على هذا السؤال تتخذ شكلا آخر عند الحديث عن تدخل الغرب. إنه النفط. هذا مبرر التدخل الاول والثاني والعاشر.
اما الاجابة على هذا السؤال نفسه عند الحديث عن ثورة ليبيا فتتخذ شكلا اكثر تعقيدا. انه طبيعة ليبيا وطبيعة ثورتها القديمة التي اصطدمت كثيرا بالغرب ولا تزال علامات الاصطدام على وجهها، وهو ايضا طبيعة نظامها الحاكم، وأخيرا طبيعة العمل الثوري الجديد الذي لا يمكن ان يشذ عن قاعدة رفض التدخل الاجنبي.
ان التدخل الاطلسي في شأن ليبيا ينتظره من المفاجآت ما لم يتوقع الى الآن.
Comments:




