سباق متجدد بين العروبة والصهيونية
مع ان حركة الاستيطان الاسرائيلية للقدس العربية والضفة الغربية، لم تتوقف في حقيقتها ولو يوماً واحدا منذ صيف عام 1967، فإن من يراقب بدقة الحركة المحمومة بوتيرة متفاقمة لاستيطان القدس الشرقية والضفة الغربية في هذه الايام، يشعر وكأن اسرائيل قد اخذت منذ مطلع هذا العام، علماً بأن عقارب الساعة العربية، التي كانت دائمة التكاسل، وكثيرة التوقف، في العقود الثلاثة الاخيرة، في مجال الصراع العربي الاسرائيلي، هذه العقارب قد دب فيها النشاط من جديد، وكأن حركتها التاريخية قد عاودت انتظامها التاريخي المنطقي. أي كأن اسرائيل بدأت تتوقع ان التحولات العربية المنطلقة بين تونس ومصر، على حدودها الجنوبية الغربية، ربما بدأت تتفاقم بوتيرة جديدة، تنهي قريبا الفرصة النادرة لحركة اسرائيل المتمادية في استيطان الاراضي الفلسطينية المحتلة، بحرية نادرة وراحة نادرة، في العقود الثلاثة الاخيرة، رغم بؤر المقاومة المتحركة من وقت لآخر، هنا وهناك.
إن نظرة استراتيجية ثاقبة الى حدود اسرائيل الجنوبية، تشير الى بداية تحول استراتيجي حاسم في بداية تحركه. العلامة المبشرة الاولى في هذا المجال هي فقدان اسرائيل لكنزها الاستراتيجي الذي كان متمثلا (خاصة في السنوات العشر الاخيرة) بنظام حسني مبارك.
ومع ان التغيير في مصر ما زال في مرحلته الانتقالية، بين انهيار نظام قديم وولادة نظام جديد، فإن هذا التغيير قد قدم في فترة مبكرة، اكثر من علامة تؤشر الى وجهة سيره الجديدة، في المستقبل القريب جدا.
لقد دشن وزير خارجية مصر الجديدة، الدكتور نبيل العربي، عصره بتعبير حاسم (وإن جاء التعبير بعبارات هادئة) عن ان اسرائيل قد فقدت فعلا كنزها الاستراتيجي على حدودها الجنوبية. وأنه من غير أي إخلال بالتزام مصر بمعاهداتها الدولية، فإن اتفاقية كامب دافيد لا تلزم مصر بأكثر من علاقات عادية بينها وبين اسرائيل، أي الاتفاقية لا تنص، كما اعتقد البعض وتصرف، على علاقات مميزة وفوق العادة، كالتي كانت قائمة بين اسرائيل ونظام حسني مبارك.
بعد هذه الاشارة الاولى، بدأنا نلاحظ حركة مصرية نشطة، على صعيد الدبلوماسية المصرية الرسمية، والدبلوماسية الشعبية، نحو تنشيط حيوي لعلاقات مصر بجاراتها الافريقية الجنوبية، حتى منابع نهر النيل. على شكل تنشيط حركة الطيران العادية بين مصر وتلك الدول (كما حدث مؤخرا بين القاهرة وجوبا، عاصمة دولة جنوب السودان الوليدة)، وباستعادة لروح التكامل التي كانت قائمة بين مصر وجاراتها الجنوبية على حوض النيل، في عقد الستينيات من القرن المنصرم.
لنا ان نتخيل مفعول هذه الاشارات الاولى الاسترايجية، بعد اشهر قليلة ستتحول فيها مصر الى ديموقراطية عريقة يمارس فيها عرب مصر كامل سيطرتهم على دفة الحكم في بلادهم.
ولنا هنا ان نتذكر غيظ اسرائيل المستحكم من ان دفء العلاقة بينها وبين نظام حسني مبارك، لم يتحول في يوم واحد من الايام الى دفء في العلاقات مع شعب مصر. وانه اذا كانت اسرائيل لم تعد عدواً لمصر وفق اتفاقيات كامب دافيد، فإن اسرائيل ما زالت العدو الأوحد لمصر، على الصعيد الشعبي، في شتى مجالات الحياة اليومية، اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً، ولدى كل النقابات الحية في مصر.
لنا ان نتصور، بعد اشهر قليلة، وعندما تصبح ارادة الشعب المصري المستلبة، حرة بالتعبير عن نفسها في انتخابات برلمانية وأخرى رئاسية، حال اسرائيل، ازاء التحول الذي سيجلب معه التطابق الكامل بين الارادة الشعبية في مصر، والارادة الرسمية المعبر عنها بأجهزة الحكم الجديدة.
ان طول فترة التناقض بين هاتين الارادتين على مدى ثلث قرن ونيف، هو بالضبط الكنز الاستراتيجي الذي فقدته اسرائيل، وستفتقد اليه اكثر فأكثر مع تفتح التحولات السريعة في مصر.
لنا ان نتخيل بعد ذلك مصر الديموقراطية، وقد اصبحت على جانبها، في حدودها الغربية، دولة ليبيا بعد تحررها هي الأخرى من النظام الاستبدادي الذي كتم انفاس شعبها اربيعين عاماً ونيفاً، والى غرب ليبيا تونس التي كانت اول من دشن مسيرة خلع الانظمة الاستبدادية العربية.
لنا ان نتخيل هذا السد العربي المتكامل في تعامله السياسي والاقتصادي والثقافي من جهة، والمنتصب على حدود اسرائيل الجنوبية، سداً منيعاً امام الحرية المطلقة التي كانت تمد بها نفوذها باتجاه القارة الافريقية كلها.
إن محوراً عربياً متكاملا مشكلا من مصر الحرة وليبيا الحرة وتونس الحرة، كفيل بأن يطلق من حول الحركة الصهيونية في اسرائيل، في كل حدودها، (وليس الجنوبية فقط) توقفاً نهائياً للدلع المتمادي لإسرائيل في إحكام سيطرتها على فلسطين الشرقية وتقابل مع ذلك (لثلث قرن كامل) بمزيد من «التفهم العربي» بل التراخي واللامبالاة العربيين، الى حد التواطؤ، في كثير من الحالات.
انه سباق متجدد بين العروبة الحديثة والصهيونية، في فلسطين وحولها.
Comments:




