الديموقراطية العربية هي الطريق لفلسطين
لو تأملنا في مسيرة التاريخ العربي المعاصر في عقوده الثلاثة الاخيرة بالذات، لظهر لنا ظهورا جليا ان الانطمة الدكتاتورية العربية، بمواقفها المتخاذلة حينا والمتواطئة حينا، في الصراع العربي - الاسرائيلي في مرحلة ما بعد كامب دافيد بالذات،
كانت هي راعية التدهور الخطير الذي تعرضت له القضية الفلسطينية، في ظاهرة مكملة لظاهرة تصاعد استفحال حكم التيارات اليمينية المتطرفة داخل الكيان الصهيوني، وهو تصاعد فاقم الظواهر العنصرية في ذلك الكيان، الى درجة وصلت الى حدود ابتلاع ما تبقى من ارض فلسطين المحتلة، خاصة في الضفة الغربية والقدس، والى تراجع مشروعية حق العودة، لدرجة اصبحت معه الولايات المتحدة الاميركية تجرؤ على طرح حل على اساس اقامة دولة فلسطينية على ما تبقى من ارض فلسطين (عشرة في المئة)، مؤسسة أولا وأخيرا على الغاء لحق العودة.
لكننا اذا امعنا النظر في حقبة العقود الثلاثة المنصرمة هذه من الصراع، ظهر امامنا جليا ايضا، ذلك التناقض الواضح بين موقف الانظمة العربية الدكتاتورية (اي كل الانظمة العربية) وموقف الشعوب العربية من المحيط الى الخليج.
ولعل اكثر هذه المظاهر وضوحاً واختصاراً لظاهرة التناقض تلك، ذلك التناقض بين الموقف الرسمي والموقف الشعبي داخل جمهورية مصر العربية، اكبر الدول العربية، وأشدها ارتباطا قانونيا بمعاهدة سلام مع اسرائيل.
حتى ان بإمكاننا الجزم بكل ثقة انه على الرغم من ان الموقف المصري الرسمي، خاصة في عهد حسني مبارك، قد ذهب بمعاهدة السلام مع اسرائيل، الى ابعد ما يكون من الانحراف، الذي تجسد في اتفاقية تصدير الغاز المصري لإسرائيل بسعر شديد الانخفاض عن السعر التجاري العالمي، والمشاركة الكاملة في الحصار الاسرائيلي لعرب قطاع غزة، وذلك الود الهاتفي اليومي الحار بين المسؤولين الاسرائيليين من جهة، وبين السيد عمر سليمان من جهة أخرى، على الرغم من ذلك الموقف المصري الرسمي الذي ذهب بالعلاقات الرسمية بين مصر واسرائيل الى حدود التكامل والتحالف، في مواقع معينة، فإن الموقف الشعبي لعرب مصر، طيلة هذه العقود الثلاثة، قد منع رغم كل هذا التمادي الرسمي، من إطلاق صفة السلام الحار او الدافئ، بين مصر واسرائيل، بل ابقاه في مساحة «السلام البارد».
الخلاصة المركزة لهذا التناقض، الذي له ما يشابهه في الساحات العربية الاخرى، وفقا للظروف الخاصة لكل ساحة، هي ان غياب الديموقراطية عن التجسد في انظمة الحكم العربي، هو الذي جعل العداء العميق لعنصرية الكيان الصهيوني، مجرد موقف شعبي، بينما الموقف الرسمي العربي العام، كما هو معبر عنه في انظمة الحكم ذات الطابع الدكتاتوري العام، يميل بشكل عام الى التأرجح بين اللامبالاة ازاء استكمال تهويد فلسطين، والتواطؤ.
المعنى الواضح لهذا الوضع، الذي اصبح يهتز تحت «تسونامي» الديموقراطية، الذي بدأ يجتاح البلاد العربية، بلدا اثر بلد، منذ مطلع هذا العام، انه كلما نجحت الشعوب العربية في التعبير الديموقراطي عن نفسها، وردم الهوة بين الموقف الشعبي والموقف الرسمي، فإننا سنقترب اكثر فأكثر من جعل استعادة العرب لدورهم التاريخي في المواجهة الحضارية الكاملة والشاملة للمشروع الصهيوني العنصري، امراً حتمياً، تختفي فيه الهوة تماما بين موقف الشعوب العربية من جهة، وموقف انظمة الحكم الديموقراطية الجديدة، من جهة ثانية.
لا يخدعنا في ذلك، التباكي الاميركي على غياب الديموقراطية عن الوطن العربي، فلعل مراكز ابحاث الولايات المتحدة هي اول من يدرك ان عودة الديموقراطية الى انظمة الحكم العربية، هي اقصر الطرق لعودة الصراع العربي ضد المشروع الصهيوني العنصري، الى جديته الكاملة، وزخمه التاريخي الكامل.
Comments:




