لماذا يستهدف الرئيس نبيه بري؟
الحملة التي شنها تيار المستقبل على رئيس مجلس النواب وزعيم حركة أمل تندرج في سياق مجموعة من الاستهدافات السياسية الناتجة عن المأزق الذي يترنح فيه الرئيس سعد الحريري وفريقه الحزبي والسياسي منذ استقالة حكومته.
شهدت التطورات والأحداث خلال السنوات الماضية ، بعض السجالات بين عين التينة وقريطم وقد احتفظ الرئيس بري دائما بدرجة عالية من الحرص على إبقاء الخطوط مفتوحة مع جميع الأطراف والقوى ، وخصوصا مع سعد الحريري و فريقه بفعل ما يمليه على رئيس المجلس موقعه الدستوري ودوره الوفاقي ، وما اضطلع به من مهمات في حمل عبء التفاوض خلال حرب تموز 2006 وكذلك في مخاض الاستحقاق الرئاسي قبل اتفاق الدوحة وبعده، ومنذ الحوار الذي دعا إليه بري في مجلس النواب لإنهاء مناخ القطيعة والصراع السياسي الساخن داخل البلاد فقد لاحظ جميع المراقبين أن سائر التسويات والتفاهمات التي شهدها الواقع السياسي اللبناني ، حملت بصمته الخاصة بما في ذلك ما عرف بحركة السين ـ السين التي كان رئيس مجلس النواب أول المبشرين بها والحريصين عليها إلى أن قلبها سعد الحريري وانقلب عليها في نيويورك تلبية للمشيئة الأميركية الصريحة بمنع إنتاج تفاهمات حول الوضع اللبناني يرعاها الملك عبدالله بن عبد العزيز والرئيس بشار الأسد لأن الولايات المتحدة مع باراك أوباما كررت خطيئة جورج بوش بتحويل لبنان إلى ساحة لمشاريعها المشتركة مع إسرائيل في المنطقة.
أولا: الدور الرئيسي الذي اضطلع به الرئيس نبيه بري في تكوين نسيج الغالبية الجديدة التي تشكلت منها حكومة الرئيس نجيب ميقاتي يجعله الخصم الرئيسي لزعيم المستقبل الغارق في حسابات النقمة والغيظ منذ خروجه من السراي ، بدلا من إجراء مراجعة جدية لمسيرته السياسية الحافلة بالفرص الضائعة ، و هي مراجعة لا بد أن تقوده واقعيا إلى اكتشاف ما ارتكبه من أخطاء و محاولة تداركها أو تجاوزها من موقعه في المعارضة.
أثبت الحريري كزعيم سياسي عدم قدرته على تحمل الخسارة بنتيجة اللعبة الديمقراطية الدستورية في النظام اللبناني ، منذ أن حول اليوم التالي للاستشارات النيابية التي كشفت رجحان كفة الرئيس نجيب ميقاتي لتشكيل الحكومة ، إلى يوم غضب ميليشياوي أطلق فيه محازبوه النار وأضرموا الحرائق وهددوا الصحافيين والمارة بالقتل ، واعتدوا على الممتلكات العامة والخاصة ، وما تزال مأساة الوفود الإعلامية في طرابلس وخطبة محمد سلام الفتنوية ماثلتان مع رصيد الاعتداءات التي شهدتها مناطق البقاع وبيروت وصيدا.
لأن الحريري خرج من السلطة بحقد الخسارة وليس بدهاء من يستطيع أن يتقبلها فإن جام غضبه ينصب على الرئيس بري ، الذي يعرف الحريري بالمعلومات ، أن علاقته بكل من النائب وليد جنبلاط والرئيس نجيب ميقاتي والوزير محمد الصفدي وتنسيقه الوثيق مع رئيس الجمهورية ميشال سليمان قد شكلت جميعها ركائز الجذب والاستقطاب لقلب المعادلة داخل المجلس النيابي وتحويل كتلة المستقبل وحلفائها من القوات والكتائب إلى أقلية.
ثانيا: في إطار استهداف المقاومة والعمل على تفكيك معادلات القوة اللبنانية التي رفضتها خطب نواب الحريرية في البيان الوزاري لحكومة ميقاتي ، عبر اللحاق بجعجع والجميل في الاعتراض على ثلاثية الشعب والجيش والمقاومة التي كانت في صلب بيان الحريري الوزاري، يأتي استهداف الحريريين للرئيس نبيه بري موازيا لاستهداف مؤسسة الجيش اللبناني.
فالرئيس نبيه بري هو من كبار رموز المقاومة وقادتها ومؤسسيها ، ومنذ سنوات يتركز اهتمام المشروع الأميركي الإسرائيلي في المنطقة على استكشاف إمكانية دق الأسافين بين حركة أمل وحزب الله ، وقد شهدنا محطات كثيرة ومحاولات لا تحصى ولا تعد ، في هذا السياق ، كان أبرزها الضغط الأميركي الفرنسي الكثيف الذي تعرض له الرئيس نبيه بري بعد انتخابات 2005 ، وكذلك العرض الذي قدم لقيادة حزب الله بترشيح نائب من كتلة الوفاء إلى رئاسة المجلس ، بدلا من الرئيس بري ، وحيث شكل جواب السيد نصرالله صفعة قوية لتلك المحاولة الخبيثة.
لقد أدار الرئيس نبيه بري المفاوضات خلال حرب تموز وأحبط الكثير من فصول التآمر على لبنان وعلى المقاومة ، وما كشفه عن جلسته مع كونداليزا رايس والكثير الكثير مما لم يكشف بعد يشير إلى أن الرئيس نبيه بري الذي فوضه السيد نصرالله بإدارة الدفة السياسية والتفاوضية ، منذ لحظات الحرب الأولى قد أدى ذلك الدور ببراعة تشهد بها النتائج من خلال زحف الجنوبيين تلبية لندائه و كسرا لمؤامرة رايس بمنع عودة الأهالي ،
وعبر التعديلات التي فرضت على مسودة القرار 1701 بالتناغم مع بطلات المقاومين في الميدان ، و من خلال قواعد الاشتباك التي رعت انتشار قوات اليونيفيل المعززة في الجنوب ، كما تفاهم عليها الرئيس نبيه بري مع العماد ميشال سليمان الذي كان قائدا للجيش ، ومع رئيس الجمهورية آنذاك العماد اميل لحود ، ذلك كله يجعل من استهداف بري و علاقته بحزب الله حلقة رئيسية في محاولات متكررة لاستهداف المقاومة وتفكيك لحمة قواها.
ثالثا: أصاب الرئيس نبيه بري حين اعتبر استهدافه ردا على موقفه من الأحداث الجارية في سورية فقيادة المستقبل متورطة حتى نخاعها الشوكي في المؤامرة على سورية وهي التي عملت بإمرة جيفري فيلتمان منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري وحتى اتفاق الدوحة لتكوين شبكات لتخريب سورية في لبنان و قامت بتمويلها داخل سورية ، وانصب سلوكها الإعلامي الذي يقوده شهود الزور وما يزالون ، على التحريض وإثارة البلبلة والشائعات ، وعلى اعتماد لغة عنصرية ضد الشعب السوري الذي يزعم الحريري و إعلامه اليوم وقوفه معه في المحنة التي تعيشها سورية .
قيادة المستقبل تواصل تورطها في خطة تخريب سورية ، وقد اصطدمت محاولاتها بالجيش اللبناني ، وبالمعادلة السياسية التي أنشأها انبثاق الحكومة الجديدة ، ولذلك فالرئيس نبيه بري الذي كان له دور حاسم في ولادة الحكومة كما هو معلوم عبر نسج التحالف الذي تشكلت منه ومن خلال ما عرف بالتضحية الوزارية في التوزيعة الحكومية لا بد وأن يكون هدفا لقيادة المستقبل التي تدرك أن مجرد ولادة الحكومة قد تكفلت بالضرب على يد المتدخلين في تخريب الأمن السوري انطلاقا من لبنان والذين تقف مجموعة سعد الحريري في مقدمتهم.
Comments:





