التحالف الأميركي ـ الإسرائيلي يصبح ثلاثياً
صدّق او لا تصدق: الجبهة مفتوحة لصراع عسكري في منطقة الشرق الاوسط في الوقت الحاضر.
تتألف هذه الجبهة من فريق تتزعمه الولايات المتحدة والى جانبها إسرائيل. وقوة إسرائيل العسكرية ربما دخلت تحت سحابة الشك منذ حربها على لبنان في صيف عام 2006 ولكنها بالتأكيد تريد استعادة ثقة الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة.
والى جانب هاتين القوتين المجربتين في حروب الشرق الاوسط السابقة، تقف قوى اخرى غير مجربة في تلك الحروب، لكنها تملك في الوقت الحاضر من الدواعي والدوافع ما يجعلها مستعدة للحرب دفاعا عن وجودها نفسه، لان ربيع الثورات العربية اقلقها اكثر مما اقلقتها اي قوة اخرى طوال تاريخها. تقف المملكة العربية السعودية، التي تبذل الآن اقصى جهودها لتبدو مستقرة ولتبدو في الوقت نفسه الاكثر استعدادا لزعزعة قوة واستقرار البلدان التي غزاها من الداخل تيار الثورة والتغيير، في حين ان الدلائل كثيرة على ان شعورها بالاستقرار اصبح في خبر كان، لهذا تقترب اكثر من اي وقت مضى من اسرائيل وتبتعد اكثر من اي وقت مضى عن ايران، وتقف في حالة ترقب قلق بانتظار نتائج احداث سوريا وأحداث ليبيا، والاهم انها تترقب احداث مصر الداخلية وتترك من مكوناتها من باستطاعته ان ينفق المال من اجل منع تيار الثورة المصرية من ان يستقر في الداخل، حتى لا يكون قادراً على التأثير في المحيط الخارجي. وبطبيعة الحال فإن موقف المملكة لا يختلف بل يفرض الاتفاق الكامل على الدويلات الصغيرة الخليجية التي حصلت ـ اول ما حصلت ـ على الضوء الاخضر من المملكة لتشارك بطائراتها في الحرب على ليبيا.
لقد كانت السعودية لنحو قرن منذ تأسيسها هي النموذج الاكبر والاوضح لبقايا ما يسمى حتى الآن وبسبب استمرارها في الوجود نظام الطغيان الشرقي. واليوم تلوح اخطر التحولات التي تنذر هذا النظام بتغيير داخلي يودي بهذا النظام الى مدافن التاريخ.
فهل هذا ممكن بوجود الولايات المتحدة الاميركية وبوجود اسرائيل بما لهما من قوة في المنطقة، وبما تبديانه من استعداد للتدخل على النمط نفسه الذي حدث في ليبيا حيث غطى ـ ولماذا يغطي؟ - حلف الاطلسي بقواته الجوية على التدخل المباشر للقوات الخاصة البريطانية والفرنسية، وعلى التدخل الاميركي المباشر الذي يتراوح اميركياً بين الاعتراف والإنكار.
اذا كان ما حدث في ليبيا من صور التدخل العسكري الاطلسي وتفريعاته قد حدث بسبب قيمة النفط الليبي لأميركا وأوروبا بصفة خاصة، فما الذي يمكن ان يحدث من صور التدخل من القوى نفسها اذا بدا ان السعودية او شقيقاتها الخليجية الصغرى مهددة بما سبق ان هدد ليبيا قبلها؟
كذلك لا يمكن إغفال نموذج التدخل الاميركي والغربي عموما في العراق للدافع المادي الثقيل نفسه وهو النفط، في ظروف لم تكن ثورات الربيع العربي تخطر ببال احد، بما في ذلك المملكة العربية السعودية التي يحتاج الكشف عن دورها في التدخل الاميركي في العراق الى مجلدات ضخمة.
لقد بدأت تتكشف في مصر ظروف دور سعودي في محاولة الدفع بالثورة المصرية نحو مصير من شأنه ان يبعد خطر تأثيرها على المملكة. وبدأت تتكشف ملامح التمييز بين موقف سعودي رسمي (حكومي) يمالئ السلطة الحالية في مصر ممثلة في مستوييها الاساسيين: المجلس الاعلى للقوات المسلحة من ناحية والحكومة التي يرأسها الدكتور عصام شرف من ناحية اخرى. وليس خافياً ان مستويي السلطة في مصر يبديان حرصاً اكيداً على استمرار علاقات المودة وربما الاخوة التي قامت مع السعودية طوال عهدي انور السادات وحسني مبارك. ولا بد عند هذه النقطة من ان نذكر ما قاله السيد عرابي، الذي شغل منصب وزير الخارجية المصري قبل ان يذهب المنصب الى الدكتور نبيل العربي، في وصف المملكة العربية السعودية بأنها «الشقيقة الكبرى لمصر». يومها قامت قيامة المصريين ولم تقعد في ميدان التحرير وفي ميادين التحرير الكثيرة الاخرى في مصر ..حيث تحاشت عناصر الإخوان المسلمين والعناصر الدينية الاخرى رفع العلم السعودي في مظاهراتها، وكان هذا احد طقوسها. وربما يكون العرابي قد فقد منصب وزير الخارجية بسبب هذه العبارة التي اظهرت مصر في مرتبة ادنى من المملكة السعودية، في حين ان مصر تتعامل مع ذاتها ومع مكونات الوطن العربي الاخرى على ان مصر هي الشقيقة الكبرى... مهما كانت قيمة مداخيل النفط فيها.
وقد استطاع حلف الاطلسي ـ الى حد كبير ـ ان يحقق في ليبيا ما تريد السعودية ان يتحقق في مصر وفي سوريا وفي ايران. ويقول الكاتب الاميركي بروس ريدل (15 /8/2011) ان السعودية تقدر ان الثمن المطلوب دفعه لتتمكن من الإقدام على مخاطرة السيطرة على سوريا مستحق الدفع. اي انه ليس ثمناً يمكن ان تحجم المملكة عن دفعه. ويضيف ان الملك عبد الله تحدث هاتفياً (في نهاية الاسبوع الذي سبق كتابة مقاله) مع الرئيس الاميركي باراك اوباما وكان من نتيجة هذه المكالمة ان دعا كل منهما الى نهاية «للقمع الذي يمارسه النظام السوري على شعبه». وانه «ليس هناك مجال للشك في ان الرياض حثت واشنطن على انتهاز الفرصة التاريخية السانحة في سوريا. ومن المؤكد ان واشنطن والرياض سيستمران بالتأكيد في الاختلاف حول قيمة الديموقراطية في العالم العربي. ولكنهما يستطيعان التعاون في محاربة حزب الله. ذلك ان السعوديين قد وصلوا الى استنتاج مؤداه تسوية الحسابات مع هذا العدو القديم».
ومن واشنطن ايضاً (31/8/2011) كتب مراسل وكالة الأنباء الاشورية الدولية «ان المملكة العربية السعودية تجد نفسها فجاة في مواجهة فرصة تاريخية لكي تدعم بدرجة كبيرة مكانتها الاستراتيجية في الشرق الاوسط، وربما ان تتولى دوراً قيادياً لا ينازعها احد عليه في السياسات العربية». ويصف المراسل هذا الوضع بأنه ليس مجرد «مسألة داخلية سعودية، فإن مكانة المملكة الاقليمية مسألة لها قدر من الاهمية للولايات المتحدة وسياساتها في الشرق الاوسط. وبالنظر الى التحالف الاستراتيجي الذي لا يزال متيناً بين الولايات المتحدة والعربية السعودية فإنه لا حاجة الى القول إن تمتع الرياض بالمزيد من النفوذ والثقة يساعد واشنطن على تحقيق اهداف سياستها الخارجية في المنطقة، وأكثر هذه الاهداف إلحاحاً هو التصدي لقوة ايران ومنعها من ان تصبح دولة نووية».
وفي حدود الوقت نفسه من شهر آب /اغسطس الماضي كتبت وكالة الانباء الفرنسية ان سوريا مرشحة لأن تصبح «ميدان القتال بين العربية السعودية وإيران ... فإن السعودية اصبحت على درجة قصوى من القلق بشأن ارتفاع قوس النفوذ الإيراني عبر العراق وسوريا ولبنان. لقد كانت السعودية ـ حتى اجتاح عدم الاستقرار الشعبي العالم العربي ـ تفتقر الى سبل مواجهة فعالة للنفوذ الايراني المتزايد على طول الحدود الشمالية للمملكة».
والامر الذي لا يقترب منه الشك الآن هو ان السعودية اصبحت قريبة للغاية من اسرائيل في الاستراتيجية والاهداف السياسية اكثر من اي وقت مضى. ليس فقط بحكم العلاقات الاستراتيجية التي تربط السعودية بالولايات المتحدة حليفة اسرائيل الاستراتيجية الاكبر، انما لاقتراب السعودية كثيرا من خط العداء السافر المعلن تجاه ايران، وهو الخط نفسه الذي تقف عنده اسرائيل في موقفها العدائي ونواياها المعلنة ضد ايران. لهذا يمكن القول إن المملكة السعودية ستكون مستعدة تماما لدعم اي تحرك عسكري اسرائيلي ضد ايران. ويمكن ان يتخذ هذا الدعم صورة التصريح للطيران الحربي الاسرائيلي بالعبور في اجواء المملكة اذا تطلب التمويه الجوي الاسرائيلي ذلك لمفاجأة ايران بهجوم من الجو. كما يمكن ان يتخذ هذا الدعم صوراً اخرى ـ احدها الدعم المالي او البترولي ـ عبر الولايات المتحدة الحليف المشترك للسعودية واسرائيل.
اما فتح ابواب التواطؤ بين السعودية وأميركا وإسرائيل في حالة مصر، فإنه يبدو امراً اكثر إلحاحاً بالنسبة لهذه الدول الثلاث، بسبب قوة التأثير المصري على المنطقة من ناحية، ومن ناحية اخرى بسبب قلق الدول الثلاث من نتائج الصورة الغامضة التي تسود الساحة المصرية في الوقت الحاضر. ولا يبدو انتصار تيار الثورة في مصر مصدراً للارتياح او الهدوء لأي من هذه الدول الثلاث. وفي الوقت نفسه فإن الدول الثلاث تلعب ادوارها الخاصة في محاولة زعزعة الوضع في مصر الى الحد الذي يجعل الثورة تبدو مسؤولة عن التطورات غير المؤاتية.
وقد بادرت اسرائيل الى فتح ابواب القلق امام الثورة المصرية بأحداث سيناء التي قتلت فيها القوات الاسرائيلية ستة من العسكريين المصريين. وعلى الرغم من انه كان من الطبيعي ان تقع مظاهرات المصريين ضد السفارة الاسرائيلية فإن الشارع المصري بدأ يتنبه الى ان هذه المظاهرات تخطت الحدود بفعل عملية تمويل اتهمت مصادر وشخصيات ثرية سعودية بالدفع لها.
وظهر الدور الاميركي في غاية الوضوح عندما استخدم اوباما اسلوب التهديد المباشر لمصر اذا سارت باتجاه المطالبة بإلغاء او حتى تعديل معاهدة «كامب ديفيد» الموقعة مع اسرائيل تحت رعاية اميركية رسمية. وقد جاء هذا التهديد الاميركي بمثابة تذكير بأن الولايات المتحدة ليست معنية باي حال بمسار او مصير الديموقراطية في مصر. وتعرف واشنطن جيدا ـ من خلال تقارير سفارتها في القاهرة فضلا عن تقارير مخابراتها في انحاء مصر - ان معاهدة كامب ديفيد لا تتمتع، خاصة بعد قتل الاسرائيليين العسكريين المصريين في حادثة سيناء، بأي قدر ملموس من التأييد من جانب الشعب المصري. كما تعرف واشنطن ان اعلان المجلس العسكري الاعلى المصري المتكرر التزامه بالتزاماته الدولية بما فيها هذه المعاهدة لا يلقى تأييداً صريحاً او واضحاً من الشعب المصري والقوى السياسية المصرية الفاعلة في الساحة الآن.
ويأتي بعد ذلك عامل اتفاقية تصدير الغاز الطبيعي المصري الى اسرائيل. وقد تحول هذا العامل الى قضية داخلية من الدرجة الاولى، حتى انها وجدت مكانها امام القضاء المصري ضمن الاتهامات الموجهة الى رموز النظام القديم وعلى رأسهم حسني مبارك «الكنز الاستراتيجي» لإسرائيل. بل ان مشكلة تصدير الغاز المصري الى اسرائيل لم تعد مسألة اسعار او مسألة الخسائر المادية التي خسرتها مصر عندما حددت سعر هذا الغاز لإسرائيل قبل سنوات، انما اخذت هذه المشكلة ـ شأن اي مشكلة تتعلق بمصادر الطاقة في عالم اليوم ـ شكل مشكلة استراتيجية قد تتخذها اسرائيل ذريعة لحرب ضد مصر. ولا يبدو هذا مستغرباً في ضوء احتمالات الحرب في منطقة شرق البحر الابيض المتوسط، التي قد تقود اسرائيل الى نزاع عسكري ضد تركيا وسوريا وفلسطين ولبنان، في نزاع فتاك على الغاز الطبيعي في المياه الاقليمية لهذه الدول.
ولم يعد هناك ـ بعد كل التطورات الاخيرة بما فيها الفيتو الاميركي في مجلس الامن ضد عضوية لدولة فلسطين في الامم المتحدة ـ مجال للتساؤل: اين يمكن ان تقف الولايات المتحدة في هذا النزاع او اين سيكون موقف السعودية في ضوء مخاوفها من امتداد التيار الثوري الى داخلها؟
Comments:




