استهداف «اليونيفيل» تصويب على المقاومة
استهداف «اليونيفيل» تصويب على المقاومة... هل تتغير أولويات زيارة ميقاتي لفرنسا؟
ينصبّ الاهتمام السياسي والامني على التطورات المستجدة جنوباً في ضوء الاستهداف الجديد لقوات «اليونيفيل» وبالتحديد القوة الفرنسية العاملة في نطاقها، وإطلاق صاروخ «كاتيوشا» سقط هذه المرة داخل الاراضي اللبنانية وكاد يودي بحياة امرأة، الأمر الذي دفع بالأفرقاء في الداخل وبعض المواقع الدولية الى توجيه الاتهامات في غير اتجاه، مع لحظ أن التوظيف لهذه الأحداث في سياق الاحداث العربية من البوابة السورية بدا جليّاً.
وقد علمت "النهار" من أوساط ديبلوماسية ان عددا من الدول المساهمة في القوة الموقتة للأمم المتحدة في لبنان "اليونيفيل" تدرس باهتمام خفض مساهمتها، وهذا الامر أكده امس سفير فرنسا في لبنان دوني بييتون إذ قال انه "تجرى الان مراجعة استراتيجية يقوم بها قسم عمليات حفظ السلام في الامم المتحدة (...) وسنرى ماذا ستكون نتائج هذه المراجعة. وسيزور مسؤول فرنسي لبنان قريبا وفي ضوء كل ذلك سنأخذ القرارات".
واللافت للنظر حسب مصدر معني ان «العبوة التي استهدفت القوة الفرنسية هي بمثابة رسالة الى الفرنسيين ولكن من نوع آخر، وبغض النظر عن الاتهامات والجهة التي تتحمل فعلاً المسؤولية، فالعبوة هي زنة حوالى عشرة كيلوغرامات من المواد المتفجرة والتي لو تم تفجيرها مباشرة بالدورية الفرنسية لكان قتل جميع من بداخلها، إلا ان المنفذين تعمّدوا حصول عملية التفجير على بعد ستة أمتار من الدورية، مما خفف من قوة العصف الذي أصابها فكانت الإصابات البشرية طفيفة ومتوسطة، ومما يؤكد ان التحكم بالعبوة كامل وان من أعدّها وفجّرها حدد سلفاً ما يريد تحقيقه من خسائر، هو ان التفجير لم يتم سلكياً حيث نسبة الخطأ أكبر وعادة ما يكون الفارق الزمني بين إعطاء الامر بالتفجير وحصول الانفجار يسمح بتفادي الخسائر، انما التفجير حصل لاسلكياً اي انه تمّ فور اعطاء الاشارة الالكترونية للعبوة وهو بذلك كان لحظياً ومرئياً وبالتالي فإن من يتولى هذه العملية يتحكم بكل تفاصيلها لا سيما لجهة التوقيت الميداني المباشر».
ويقول المصدر للسفير «إنه طالما لم يتوصل التحقيق الى تحديد الجهة التي تقف وراء هذا العمل الارهابي فكل الاحتمالات مفتوحة، وهي تنطلق من ان الاستهداف اصبح واضحاً لجهة تركيزه على الفرنسيين، وبالتالي فإن الحديث عن الرسائل المتبادلة عبر ساحة لبنان لا سيما الجنوب ليست بالضرورة سورية المصدر انما رسائل لزيادة التحريض الفرنسي على سوريا. لأنه لو توقفنا عند اختيار التوقيت الذي جاء بالتزامن مع التصعيد بالموقف الرسمي الفرنسي ضد سوريا، لكان الاستنتاج الاول أن الهدف هو دفع فرنسا لكي تفسر الاعتداء الارهابي على انه رد سوري على مواقفها، الامر الذي سيستتبع بتصعيد فرنسي اضافي يضاف اليه تصعيد أوروبي وكل ذلك يصب ضد مصلحة النظام في سوريا، مما يعني ان من يقوم بهذا العمل حتماً ليس حليفاً لسوريا، وبعيداً عن توجيه الاتهامات يمكن القول إن خصوم سوريا هم المستفيدون وفي مقدمهم إسرائيل».
ويضيف المصدر في مقال لعماد مرمل، «إن استهداف القوة الفرنسية يمكن وضعه أيضاً في خانة الرسائل على أبواب زيارة رئيس الحكومة نجيب ميقاتي الى فرنسا، بحيث تتغير اولويات المحادثات فيجد ميقاتي امامه ملفات تتسم بطابع التوتر والسخونة على قاعدة ان الاحداث المستجدة هي التي تفرض «اجندة» المحادثات مع القيادات الفرنسية، خصوصاً ان الادارة الفرنسية معروفة تاريخياً بإيلائها الوضع اللبناني اهتماما خاصا وبالتالي يمكن القول ان الاعتداء يهدف الى ان يواجه ميقاتي في زيارته الباريسية المقبلة بسلسلة ملفات الهدف النهائي من ورائها، هو دفعه لتقديم تنازلات أبعد من مسألة تمويل المحكمة وتتصل تحديداً بالموضوع السوري».
ويرى المصدر «أن مسار الضغوط المصحوب بالتهويل بانسحاب الفرنسيين من «اليونيفيل» ربما يهدف لتحقيق تعديل في مهمتهم وقد يكون للضغط باتجاه السماح بإقامة ممرات آمنة للنازحين السوريين».
اما حول اطلاق الصواريخ من الاراضي اللبنانية باتجاه شمالي فلسطين المحتلة، فيوضح المصدر «أن هذا الأمر ليس بالجديد برغم خطورته الشديدة، وايضاً بعيداً عن الاتهامات المسبقة، فإنه يفترض عدم إغفال العامل الاسرائيلي في هذين الحدثين، لأنه من خلال دراسة الواقع الميداني تبين الآتي:
1 الصاروخ الاول أطلق من منطقة تبعد 500 متر عن الحدود او ما يسمّى بالخط الازرق، ومن نقطة فاصلة بين نطاق عمليات لواءين عسكريين للجيش اللبناني، أي ان الذي اطلق الصاروخ يعرف خريطة الانتشار العسكري للجيش و«اليونيفيل» واختار اضعف نقطة لا تحظى بالمراقبة المكثفة، كما ان قرب المسافة يطرح فرضيتين أما دخول كوموندوس إسرائيلي ونصب الصاروخ وتوقيت عملية اطلاقه واختيار نقطة سقوطه بدليل ان الإضرار اقتصرت على الماديات واسرائيل سارعت الى تأكيد عدم علاقة «حزب الله» بالعملية، او ان عملاء «موساد» تولوا عملية الإطلاق.
2- الصاروخ الثاني، أطلق أيضاً من مسافة تبعد 3 كيلومترات عن الخط الازرق، وايضاً فرضية التوغل او العملاء كبيرة او توظيف جماعات غير لبنانية معروفة بتقديمها خدمات للعدو الاسرائيلي بدليل ان الصاروخ الثاني جهز وأطلق على عجل بحيث سقط داخل الاراضي اللبنانية، وثم جلسات محاكمة في المحكمة العسكرية حضرها ممثلون لقوات «اليونيفيل» وتشي محاضرها بتفاصيل حول المجموعات السلفية وامتداداتها في المنطقة الحدودية ضمن بيئات لبنانية معينة وكذلك في البيئة الفلسطينية.
ويعتبر المصدر «أن إطلاق الصواريخ استدراج طوعي أو غير مباشر لإسرائيل للدخول كعامل إضافي ضاغط في الملف السوري وللتصويب على المقاومة، خصوصاً أنها ترافقت مع توجيه اتهامات لسوريا والمقاومة بالوقوف وراء إطلاقها. والخلاصة ان استهداف «اليونيفيل» واطلاق الصواريخ يدخل في إطار الضغط على سوريا لأن الأولوية الإقليمية والدولية راهناً هي سورية بامتياز».
وفي السياق عينه، دعت اوساطا دبلوماسية عبر السفير أيضا، الى التوقف مليا عند الاحداث الاخيرة، اذ انه في فترة قياسية زمنيا (أقل من شهر واحد)، حصلت عمليتا التفجير في مدينة صور وتم استهداف قوات «اليونيفيل» قرب البرج الشمالي وسجلت عمليتا اطلاق صواريخ باتجاه الاراضي الفلسطينية المحتلة وباتجاه بلدة حولا الحدودية المحررة.
وتخشى أوساط اقليمية من تحول الجنوب اللبناني الى «صندوق بريد» يبعث من خلاله المتصارعون بالرسائل على حساب الاستقرار في لبنان والمنطقة. وتشدد على هذا الصعيد على ان هذا الاستقرار لا يتخذ لنفسه «عنوانا لبنانيا»، بل ان ثمة قوى دولية واقليمية منخرطة بشدة في هذا الواقع. وتُذكر هنا بأن «اليونيفيل» تمثل دولا عدة بينها دول في «حلف الاطلسي»، موجودة على الارض الجنوبية، وهناك البعد الاسرائيلي، كما هناك لاعبون اقليميون على رأسهم سوريا وايران، اضافة الى اللاعب الاهم على الارض اللبنانية ألا وهو «حزب الله» من دون اغفال ما تختزله المخيمات الفلسطينية سواء في صيدا أو في كل منطقة جنوب الليطاني من تناقضات الساحة الفلسطينية، بما فيها تلك المشرعة على مواقع أصولية وسلفية واستخباراتية.
يدرك الفرنسيون ان مناطق عملهم تختصر صراعات تاريخية وتختزل حساسيات عميقة، وبينما ينخرط نيكولا ساركوزي بشكل كبير في التغييرات الكبيرة والجذرية منذ بدء عهد الثورات في العالم العربي، «فإنهم بالطبع يدركون ان مصالحهم في لبنان هي مصالح استراتيجية وأي تفريط بها يمكن أن يؤدي الى انحسار النفوذ الفرنسي ليس في لبنان بل في كل منطقة المشرق، الا اذا كان هناك من يتوهم في الادارة الفرنسية أن سوريا يمكن أن تشكل بدل ضائع عن لبنان في المستقبل القريب أو البعيد» يقول أحد المتابعين للموقف الفرنسي، مشيرا الى أن ساركوزي «يدرك ان انخراطه في لعبة اسقاط النظام السوري لن يمر من دون مواجهة»، وان باريس «ستدفع ثمن لعبها في استقرار المنطقة التي ستهتز كلها في حال العبث بالواقع السوري».
وثمة نقاشات بين المؤسستين السياسية والعسكرية في فرنسا عن جدوى سياسة باريس في المنطقة وماهية نتائجها. وقد سمعت قيادات لبنانية زارت فرنسا قبل فترة تلميحا فرنسيا حول امكان إعادة تموضع قواتها في الجنوب وصولا الى خفض العدد لا بل سحبها نهائيا إذا لزم الأمر، حتى ان البعض يشير إلى أن «المراجعة الاستراتيجية» الجارية حاليا في إطار قسم عمليات حفظ السلام في نيويورك بحضور خبراء فرنسيين وغربيين وبالتنسيق مع البعثة اللبنانية وقيادة الجيش اللبناني تجريها باريس قد تفضي الى اتخاذ قرار فرنسي استثنائي في شتاء العام المقبل بالنسبة إلى موضوع المشاركة.
ويقول مطلعون على «المراجعة الاستراتيجية» التي استوجبت ارسـال فريق تقييـمي من نيـويورك الى بيروت أن الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، «متمسـك بتنفيذ القرار 1701 بكامل منـدرجاته، كما أن ثمة أهمية كبـيرة تعلق على التوصل الى حلول سـياسية في المنطقة ما من شأنه ان يثبت الاستقرار في الجنوب».
Comments:




