«كل طائفة تنتخب نوّابها»، بأي حق؟
إنّ ما نتج عن اللقاء الماروني في " بكركي" كفكرة «كل طائفة تنتخب نوّابها»، هذا يدل إلى أنّ هناك دعوة صريحة من شخصيات اللقاء، تدعو كلّ مسيحي أن يتعاطى بشؤونه وأن لا يتعاطى بشؤون رفاقه من المسلمين، وأن نعود إلى زمن الأبجديّة الطّائفيّة، وبهذا نغضّ النّظر عن كل الشباب اللبناني العلماني الذّي يطالب بإسقاط النّظام الطّائفي ثم الإتيان بنظام علماني يضمن حقوقهم السياسيّة أولاً، ثم الإجتماعيّة والشخصيّة، وذلك يكون تغاضياً عن الطرف الآخر الّذي قد يكون حاملاً في حقائبه حلاً للبنان ولو كان بعيد عن الواقعيّة لأن المجتمع اللبناني لا يتعايش مع الدّيمقراطيّة، لأنّها مسؤولية وطنيّة حيث المشاركة في صنع القرار.
كون البيان صادر عن المجتمعين في بكركي، وبدعوة من البطريك الماروني بشارة الرّاعي، وفي الصّرح البطريركي بالذّات، هذا يعني أن البيان يتّسم بالقوّة ومثقلاً ببركات رعويّة ومعنويّات سياسيّة، وهم – أي المسيحييّن – في أمس الحاجة إلى لقاء كالّذي جرى، لوضع كل شيء جانباً، والتّفكيربمصلحة «الطّائفة» عبر إتّخاذ القرار جامع يفيد مصالهم جميعهم، ولو كان مؤداه مقدّمة لتطبيق الامركزيّة الطّوائفيّة كما إعتبر "الرّئيس سليم الحص"، أنه منتهى التّخلي عن الإعتبار الوطني في النّظام السياسي. فإذا كانت كل طائفة ستنتخب نوّابها فهذا يعني أنّ النّائب لن يكون في موقع يجبره أن يكون مسؤولاً، أمام كل ألوان شعبه وإنّما سيكون لطائفته، لأنّها هي التي تحدد وجوده.. لا الشّعب بالمجمل.
إذا تصوّرت المشهد اللبناني في حال تطبيق "زبدة" لقاء بكركي، سترى مجتمعاً أو أمّةً متقوقعة فيها الطوائف على بعضها البعض، لا تنظر فيما لغيرها من هموم، وكأنّنا نعيش في بلد نفرّق فيه المسلم عن المسيحي، الّذان ذاقى الأمرّين منمجرّد طرح هكذا أفكار، التي يمكن القول أنّها بقايا الحرب الأهليّة، وأنّها ناتجة عن خوف وفوبيا من مستقبل العلاقات الوطنية والرّوابط المدنيّة بين أطياف المسلمين والمسيحيّن. وعلى الرّغم من هذا الشّؤم السياسي بإستحالة تطبيق نظام علماني خالص في لبنان، فإنّ هذا القرار مرفوض، حيث ألغى فكرة العيش المشترك بين اللبنانيين، لا بل خروجاً عليها.
يخالف إقتراح المشروع الأرثوذوكسي الّذي تبناه اللقاء المسيحي القانون اللبناني، وذلك في مخالفة واضحة لنص المادة 27- دستور، والتي تنص على أنّ النّائب ممثل للأمّة جمعاء، ومفهوم الأمة واضح ومحدد فلا يمكن انتخاب كل طائفة نوابها ومن ثم تجميع ما تنتخبه الطوائف في مجلس نيابي تمثيلاً للأمة لأن الأمة لا علاقة لها بالطائفة انما بالمواطنية، لذا فهذا المشروع مخالف أيضاً لنص المادة 24- دستور، والّذي يقضي بأن يتألف مجلس النواب من نواب منتخبين يكون عددهم وكيفية انتخابهم وفاقاً لقوانين الانتخاب المرعية الاجراء، والى أن يضع مجلس النواب «قانون انتخاب خارج القيد الطائفي»، توزع المقاعد النيابية وفقاً للقواعد...، وهذا المشروع بخلاف هذه المواد، وغيرها الكثير من المواد التي تشير إلى "حرمة" هذه الإقتراحات.
في نهاية المطاف، يبدو من خلال هكذا أطروحات أو مشاريع ليست ناتجة سوى عن منتهي السقوط في الآثام الطّائفيّة، أنّه كلّما إتّجهنا أكثر نحو التّلاقي والمواطنيّة، وتحديد الإنتماء للبنان على أنّه الإنتماء الأوّل والأخير، يأتي من يعرقل مسيرة الدّولة "الحلم" التي تعامل المواطنين على أنهم أبنائها، لا على أنهم أبناء طوائف ومذاهب، والتي تحقق بذلك المساواة بينهم من خلال نظرة سواسية، وكذلك بأن لا تقسم المراكز من منطلق الطّائفة اللتي ينتمي إليها كلِّ منهم، وأن تعدُلَ في الواجبات والحقوق المستحقّة لهم وعليهم، والإستقلال الإيجابي إتجاه جميع الأديان والمعتقدات، فمن الغرابة أن تسمع البعض ينادون بإسقاط النظام الطّائفي ولكنّهم يمارسون الطّائفيّة على أكمل وجه.
Comments:




