جدل السّلاح في لبنان: بين «أصحاب السّلاح»
في ضوء الحراك والمتغيّر السياسي الذي تشهده المنطقة، وفي ظلّ الإنقسام «المنهجي» بين الأطراف اللبنانيّة، يبقى السلاح هو سمة المرحلة، حيث أنّه عاملاً للإستقرار، ولتزعزع السلم الأهلي في آن، وذلك يحدّد بـ«من يحمل السلاح؟ ولماذا؟». الجواب على الشطر الأوّل من السؤال، هو كل من يمكنه حمل السلاح، ولا أحد في لبنان يصعب عليه حمل السلاح، لذا، من المعلوم أنّ لكلّ الأحزاب والتيارات والتنظيمات اللبنانيّة وغير اللبنانيّة سلاحٌ يكفي لتدمير لبنان، ومحو السلم الأهلي، أمّا الجواب على الشطر الثاني من السؤال نفسه «لماذا؟»، هو محطّ الجدل الدّائر، والذي يحاول اللبنانيّون حسمه، ولكن كلّ لمصلحة زعيمه، وهذا الجدل يشوبه إتّهامات سياسيّة وأمنيّة، ونظره مغايره لكفيّة إتّخاذ قرار السلم والحرب مع إسرائيل.
يحاول نوّاب الأمّة أن يتوصّلوا إلى حلول ولو «جزئيّة» لهذا الجدل الطّويل، وكانت البداية هي جعل «بيروت منزوعة السلاح»، حيث إجتمع أمس وفد من نوّاب بيروت عند برّي في عين التينة بحضور ميقاتي لمناقشة سبل سحب السلاح الخفيف والمتوسّط من بيروت الكبرى، بإعتبار أنّ هذه المنطقة، يسكن فيها اللبنانيّون من كلّ الطّوائف والمناطق، وعلى أنّها عامود ومركزيّة الإدارة في لبنان. ويبدو من الإجتماع أنّ نوّاب " 14 آذار" غير معترضين (وهم المعنيين بشكل أساسي في الموضوع). وليس لديهم مشكلة في الأصل، وكان النّقاش دائر حول نقطتين، الأولى سحب السلاح المتوسّط والخفيف بالكامل وفق خطّة شاملة من منطقة بيروت الكبرى، والثّانية هي تنفيذ مقرّرات نقطة الحوار الوطني المتعلّقة بالسّلاح الفلسطيني داخل المخيّمات وخارجها بدأً من منطقة بيروت.
الملفت في الأمر، والذي يضع علامات إستفهام وشكوك حول الموقف الآذاري من هذه المبادرة بالتّحديد، هو ما قاله النّائب عمّار الحوري عقب اللقاء، حيث إعتبر أنّ هذه الخطّة لمنطقة بيروت الكبرى، هي «مقدّمة لسحب السلاح من لبنان كلّه»، عن أي سلاحٍ يتحدّث؟ وهل هذا الحديث يشمل المقاومة اللبنانيّة؟ لا يمكن الجزم بمجرّد التّحليل، ولكن قطعاً، كلامه يشمل سلاح "التيّار" لأنّه في قلب بيروت ومتّفقٌ على سحبه كونه من السلاح المتوسط والخفيف. لكن كلام الحوري هذا يتزامن مع الجدل الدّائر حول كلام البطريرك الرّاعي في قدّاس الميلاد عندما تطرّأ إلى مسألة «السلاح غير الشّرعي»، حيث عمل فريق "14 آذار" على «تأويل» كلام الرّاعي، وإعتباره حكماً يطال سلاح «حزب الله»، غير أنّ الأخير لم يسمّ سلاح المقاومة، كما لم يسمّي «حزب الله»، وكان هذا الفريق يبني «تأويله» على مبدأ أنّه "على الدّولة أن تخضع كلّ المهام الدّفاعيّة والأمنية لقرار السّلطة (السياسيّة) دون سواها". حيث إعتبروا أنّ "كلام الميلاد" كان تثبيت لمواقف "بكركي" التّاريخيّة التي إتّخذتها منذ إتّفاق الطّائف (بقول آخر، يريدون القول أنّ الرّاعي وصفير: نهج بكركي واحد). ولكن لا يمكن إعتبار ذلك، وهو كلام غير صحيح وغير واقعي، ويبدو ذلك جليّاً من مواقف البطريرك الرّاعي الفريدة، والتي تشدّد على ضرورة إستمراريّة نهج المقاومة طالما هناك عدوّ متربّص بأرض لبنان. لا بل على العكس، نحن مقتنعون أنّ كلام الرّاعي لا يحيد عن المقاربة الموضوعيّة، والتي سبق وأكّدها هو من فرنسا، في زيارته الأخيرة، حيث إعتبر أنّ «من الخطأ حصر المشكلة بالسلاح»، وقال أنّه «على الغرب أن يركّز على الإحتلال قبل السلاح»، وهي رسالة لجميع من يعترض على هذا السّلاح سواء من فرنسا أو خارجها، أنّ المقاومة «ظاهرة» نتجت عن ظروف إستدعت وجودها، ولا يمكن لأحد أن يطلب إنهائها أو نزع رصاصه منها سوى بمعالجة تلك الظّروف: القضاء سرطان المنطقة ما يسمّى بـ" إسرائيل".
لا أدركي كيف يمكن لنوّاب المستقبل أو لمن دعاهم (ولا أقصد الرّئيس نجيب ميقاتي) لبس القناع الأبيض ونزعه بالسّرعة التي يعمدوها، حيث تراهم في عين التّينة بقناع التّصالح الّذي يرتديه "البشوش" عمّار الحوري وذاك "الآخر"، بينما تراهم في دهاليز وزواريب السياسة بلا قناع، ولا يرى ذلك سوى من يدخل تلك الزّواريب النتنة، والمستغرب في الأمر هو أنّ هؤلاء الّذين يطالبون بنزع السلاح من بيروت (وهي خطوة جيده) هم أصحاب هذا السلاح، الّذي فتك بشباب وشيوخ ونساء وأطفال لبنانيين منذ الحرب الأهليّة حتّى الآن، وأخيراً نتمنّى أن لا يكون هذا المشروع مجرّد لعق على ألسنتهم، ولكن وجه التّفاؤل الوحيد من بين المجتمعين، هو إيجابيّة رئيس الحكومة نجيب ميقاتي الّذي طلب من الجهات الأمنيّة المختصّة وضع خطّة تنفيذيّة لتحقيق هذه العناوين.
Comments:




