مناورات القبضة العسكرية الإسرائيلية لطمأنة العرب وتهديد إيران
واضح وجلي ان اسرائيل تعيش حالة ضغط شديدة، وهي عملت وتعمل وتستعد بجد لانجاز خططها العسكرية وبناء القوة، توقعا للدخول في مواجهة مسلحة مع ايران او غيرها، وما المناورات العسكرية الواسعة بعد نتائج حرب تموز 2006، الا دليل على المأزق الاستراتيجي الذي عاشته نتيجة اخفاقها في تحقيق اهداف تلك الحرب.
جهدت قيادة الكيان الصهيوني في العمل لمعالجة كافة الثغرات الامنية والعسكرية والسياسية، والمشكلات التي ادت الى اخفاقها في حروبها الاخيرة والتي هشمت قوة ردعها وسمعة جيشها، وما عملية الرصاص المصهور ضد قطاع غزة، الا مناورة حية بالنيران، للتأكد من ترميم قدرة جيشها وتطبيقه العملي للدروس والعبر المستفادة من حرب لبنان الثانية.
هذه الاستعدادات والتدريبات تسير بشكل سريع ومكثف في سباق مع الزمن لاعداد الجيش الاسرائيلي لاداء افضل في المستقبل. والمناورات الضخمة المسماة «نقطة تحول 3» تبدو انها جزء صغير من المناورات الحقيقية التي ينفذها الجيش الاسرائيلي والتي تشمل كافة الجبهات، تحسبا لاندلاع مواجهة شاملة في المنطقة. فمن خلال المناورات المعلنة يجري تجهيز العمق الاسرائيلي وتحضيره لمواجهة اية مخاطر وتهديدات مهما كان شكلها وحجمها وخطورتها، ونفذ جيشها الكثير من المناورات التي يعدها ناجحة على حدود فلسطين الشمالية لمواجهة اي اشتعال محتمل للجبهة مع حزب الله.
تكاد تجمع كافة المستويات الامنية والعسكرية والاستخبارية والسياسية ومراكز البحث والاختصاص في الكيان الصهيوني، على ان المفاوضات ومساعي الحل الدبلوماسي المطروحة حاليا تجاه ايران لن ينهي خطرها المحتمل على الكيان الصهيوني. وان الولايات المتحدة ستفشل في تحقيق اي تقدم من خلال التفاوض مع طهران، خاصة بعد نتائج الانتخابات الايرانية وفوز الرئيس احمدي نجاد.
فالجيش الصهيوني هزم الجيوش العربية مجتمعة في الحروب الماضية، اذ اعتمد على استراتيجية السرعة في حسم الحروب معهم وعلى ارضهم، دون تعريض مدن واراضي الكيان لخطر او ضرر حقيقي مؤثر، الا ان ما اصابه في حروبه على المقاومة في لبنان وغزة مؤخرا، اقلقه وبات يؤرقه ويشعره بالخطر على المستوى الوجودي، فشعر اكثر بازمة ضيق المكان وصغر مساحته الجغرافية، فمهددات الحجم الجغرافي الناتج عن مساحة الكيان الاسرائيلي الصغيرة ازمة قديمة مستجدة، لم تكن بهذه الخطورة في حروبها السابقة مع العرب، «خلافا للوضع الحالي»، اذ لم يستطع جيشها مؤخرا حسم اي حرب بفوز واضح، فثغرة ضيق الجغرافيا استفادت منها المقاومة واتاحت لها سهولة في توجيه الضربات الى القواعد العسكرية والمطارات الجوية والمواقع الاستراتيجية والحيوية، وحال دون تمكن العدو من تحييد السكان والمدن والاراضي المحتلة من ان تكون ساحة حرب حقيقية، تجسد ذلك بوضوح في حرب لبنان تموز 2006، وغزة العام 2009. ومن المهددات الخطرة «الديموغرافية» او الواقع السكاني وهي معضلة ليست بسيطة، اكان لجهة تراجع وفود المهاجرين الصهاينة، الرافد الاساسي للاستيطان والذي وصل الى ادنى مستوياته، عوضاً عن العبء المربك في كيفية حمايتهم كجزء من الجبهة الداخلية.
أما مهددات عقدة الدبلوماسية او مشكلة العلاقات العامة، فاسبابها تعود لما تعانيه السياسة الخارجية الاسرائيلة من نتاج تصرفاتها، التي تحرج حلفاءها والدول المؤيدة لها، فالسياسة الدموية تجاه الفلسطينين تحت حجة الدفاع عن النفس وانكار حقوقهم، والتعنت تجاه عملية السلام وخيار الدولتين، واستمرار الاستيطان في الاراضي الفلسطينية، والتطرف تجاه الطروحات السياسية والدبلوماسية المطروحة تجاه ايران وسوريا، اوجدت لها مشكلة علاقات عامة تجلت في اكثر من مشهد وموقع، بالرغم من الرعاية والحماية المقدمة لها من الولايات المتحدة.
اما السلوك الميداني العسكري للمعالجة رغم اصطدامه بعقبات شتى الا انه خطا خطوات لافتة، فعلى المستوى الجغرافي: وجود اتفاقيات سلام مع بعض العرب منع امكان التوسع عن طريق احتلال اراض اخرى واضعف قدرتها الفعلية على المواجهة، ولحل معضلة المدى الجغرافي، يعمل العدو للاستفادة من التفاهمات المعقودة مع بعض دول الجوار لاستعمال فضائها واراضيها ومياهها ولو بشكل محدود، كما يقوم بالتمدد والتموضع في البحار عبر القطع البحرية والغواصات النووية، وما الانتشار الاخير الا بداية تنفيد هده الخطة التوسعية، حيث المعلومات المعلنة عن عبور الغواصة الإسرائيلية لقناة السويس، والذي تم بمشاورات وتفاهمات مصرية ـ إسرائيلية، ويبدو أن تل أبيب حصلت على المزيد من الأذونات والموافقات لعبور المزيد من الغواصات النووية المتجهة للتمركز في بحر العرب قبالة شواطئ إيران الجنوبية والمحيط الهندي، فيما الغواصة النووية التي وصلت إلى إيلات ستغطي المنطقة البحرية الممتدة على طول البحر الأحمر من خليج السويس إلى سواحل القرن الافريقي عند جيبوتي وباب المندب والتي تشهد تزاحماً دولياً للهيمنة والسيطرة بين اطراف عدة.
وقد بدأ الكيان الإسرائيلي بالبحث الجدي لسلوك طريق الردع الاستراتيجي بالسلاح النووي عبر اقرار قانون تشريع «النووي الاسرائيلي» والخروج من الردع بالغموض بالتخلي عن سياسة «التعتيم النووي» ما دامت تمتلك القدرات، ما يتيح الحصول على الاعتراف بالامر الواقع باسرائيل «دولة نووية».
وانطلاقا من معطيات السلوك الاسرائيلي سواء بالتوسع والانتشار والتخلي عن الغموض النووي، يمكن ادراك مجموعة نقاط: (1) لا قدرة عسكرية تقليدية فعالة تمكنها من حماية الجبهة الداخلية حال قيام اي مواجهة ايا يكن حجمها ونوعها. (2) القدرة العسكرية للجيش الصهيوني قاصرة عن التصرف في المواجهات المقبلة بشكل حاسم، ولو كانت قدرته على المناورة والردع افضل مما كانت عليه سابقاً. (3) انتشار الغواصات النووية الاسرائيلية له ابعاد عدة منها:
استخدامها لدبلوماسية الردع العسكري الرمزي تجاه مشروع ايران النووي في اقصى مداه للتحرك واعلان الجهوزية واكتمال الخطط.
ارسال رسالة الى العالم ان على اسرائيل ان «تبادر» ان لم تبادروا، ترسيخاً لمفهوم ان المواجهة القائمة هي بين إيران والمجتمع الدولي وليس بين ايران واسرائيل.
اتجاه لانتاج وظيفة جديدة اقليمية ودولية للكيان الصهيوني بابعاد استراتيجية جديدة كالاشتراك في الصراع على المحيطات والمنطقة وتطوير للدور والمهمة، والالتفاف على الجفاء الاميركي.
رسالة ابتزاز وتطمين للعرب الحلفاء بانها حامية المنطقة العربية من الخطر الايراني وان قدراتها العسكرية التقليدية والنووية هي في تصرفهم ولاجلهم.
رسالة للفلسطينيين للاستسلام والخضوع، بان لا امل لكم في الدولة والعودة والقدس واي حقوق خارج ما نقدمه لكم وما نريده.
وفي خلاصة الامر هناك حالة حقيقية من القلق والارق تعيشها القيادة السياسية والعسكرية في اسرائيل، فالمواجهة مع ايران لن تكون سهلة حال حصولها، و الاذى والخسائر والدمار الكبير في العمق الاسرائيلي لا يمكن توقع مداه مع ما يرافقه من حدوث موجات الهرب والهجرة من الكيان الى الخارج، كذلك لا يمكن تخيل شكل وصورة الشرق الاوسط في نهاية مواجهة محتملة بين تل ابيب وطهران، وفيما اذا كان سيصبح شرق اوسط آمنا وهادئا، أم شرق اوسط يكون من الصعب ان تطفأ فيه نيران النزاعات والصراعات الاقليمية. ان صوت التقارير الاستخبارية الذي سيسمع في الكيان هو الذي ينصح بعدم الدخول في تحد مع رغبات الادارة الاميركية، وعدم الوقوع في «حفر» الغرور بحجم قوتها العسكرية وقدراتها، خاصة أن هناك من يعتبرها قوة مزيفة تعتمد بشكل اساسي على الامداد الاميركي.
ان التحرك الاسرائيلي بالتلويح بالقوة يشبه كثيراً حالة السائر في عتمة الليل وحيدا.. يحدث نفسه بصوت عال ويصدر ضجيجا واصواتا ليبعد عنه اوهام الخوف!.
نهاد خشمان
Comments:





