"محرقة غزة" وغياب ردات الفعل
لا يختلف إثنان على أن عملية "الشتاء الحار" التي ترتكبها القوات اليهودية في قطاع غزة تعتبر من أكثر ممارسات القمع وحشية وهمجية في التاريخ (قديماً كان هذا التاريخ أم حديثاً...)، وهو وحشية هذه العملية مرشحة لأن تتزايد على المدى المنظور مع "تبشير" رئيس حكومة الكيان العدو بشن سلسلة "محارق" ضد الفلسطينيين، مع الإشارة هنا إلى أن اسطورة "المحرقة" التي يدعي اليهود بأنهم قد تعرضوا لها على أيدي النازيين خلال الحرب العالمية الثانية كانت أقل وحشية بما لا يقاس لما يتعرض له سكان هذا القطاع
على أن الأمر الذي لا بد من التوقف عنده والمفارقة اللافتة هي أن هذه العملية الهمجية لم تلقَِ أية إدانة رسمية من قبل منظمة الأمم المتحدة، على رغم التغطية الإعلامية الواسعة التي حظيت بها، بل أن الأمين العام للمنظمة الدولية (والعديد سواه من المسؤولين في الدول الغربية) إكتفى بموازاة العملية اليهودية بضرب مدن يحتلها اليهود جنوبي فلسطين المحتلة بالصواريخ من قبل المجاهدين الفلسطينيين، وكأنه بذلك يبرىء فعلة الصهاينة على أنها مجرد دفاع مشروع عن النفس...
والمفارقة الثانية التي أتت بالتزامن تقريباً مع المفارقة الأولى صدور قرار إجماعي من قبل مجلس الأمن الدولي يقضي بتمديد العقوبات المفروضة على الجمهورية الإسلامية الإيرانية بسبب "نشاطاتها النووية"، وذلك على الرغم من أن التقارير الصادرة عن هيئة مراقبة إنتشار الأسلحة النووية تشير كلها إلى تعاون تام من السلطات الإيرانية مع لجان التفتيش الموفدة لمراقبة المفاعلات النووية في هذا البلد...
وقد تعالت صرخات الإستنكار في البلدان العربية، وفي بعض الدول الإسلامية منددة بالهمجية اليهودية وبالمستوى المنخفض لردات الفعل الدولية، في ما تبارى المعلقون الإعلاميون العرب في تحليل ابعاد هذا الواقع. وقد تعددت هذه التحليلات العربية متراوحة بين كون الولايات المتحدة الأميركية تمثل القوة العظمى الأكبر في العالم، مع قوة اللوبي الصهيوني في هذا البلد، من دون التنبه إلى أن مواقف بلدان مثل الصين وروسيا اللتان تواجهان أميركا في العديد من القضايا الدولية، واللتان تملكان حق النقض "الفيتو" في مجلس الأمن الدولي، لم يختلف كثيراً عن مواقف واشنطن (خصوصاً في ما يختص بإدانة الجمهورية الإسلامية الإيرانية من قبل مجلس الأمن الدولي وعدم ممارسة حق النقض ضد هذا القرار من قبل أي من تينك الدولتين...). والأنكى أن بعض العرب أعطى ما يشبه "صك البراءة" للممارسات اليهودية بالتنديد بقصف المجاهدين الفلسطينيين بعض المدن التي يحتلها الصهاينة بالصواريخ...
يمكن مقارنة هذه المواقف الدولية المتواطئة مع اليهود مع مواقف أخرى كانت صدرت عن منظمة الأمم المتحدة قضت بإدانة ومعاقبة بلدان مثل صربيا (يوغسلافيا سابقاً) وإندونيسيا والسودان على ممارسات كانت أقل وحشية وهمجية بما لا يقارن من المذابح التي يرتكبها اليهود في فلسطين المحتلة...
والحقيقة هي أن إعتماد العوامل السياسية أو الـ"جيو سياسية" التقليدية المتعارف عليها للتعاطي مع أمور السياسة الدولية لا يكفي أبداً لتفسير المواقف، أو بالأحرى غياب المواقف الدولية مما يجري في فلسطين، ولا إدانة إيران من قبل مجلس الأمن الدولي. بالمقابل، فإن تحديد اليهود على أنهم يشكلون "مافيا عالمية تسعى لإحتكار مقدرات السلطة والثروة في العالم" يأتي بالجواب الشافي والمنطقي على هذا الواقع غير المنطقي. والمافيا بالمفهوم العلمي هي منظمة ذات إطار مرن تسعى لتحقيق هدفها على تعاقب أجيال المنتمين إليها، حيث أن تحقيق تلك الأهداف يتم بجميع الوسائل المتوافرة، شرعية كانت هذه الوسائل أم غير شرعية. وكما سبقت الإشارة إلى الأمر، فإن الهدف اليهودي هو الهيمنة على مقدرات السلطة والثروة في العالم بأسره، وليس في الولايات المتحدة وفلسطين وحدها. ولا بد من التذكير بهذا الصدد إلى العلاقة المميزة التي كانت تربط اليهود بالبلدان الشيوعية بين 1948 (حيث كان الإتحاد السوفياتي أول دولة إعترفت بشرعية "إسرائيل" وكانت تشيكوسلوفاكيا الموردة الأولى للأسلحة للكيان اليهةودي) و1950، وإلى العلاقة الجيدة السائدة اليوم بين "إسرائيل" إياها والصين الشعبية، مع تسريب اليهود للأسرار التكنولوجية الأميركية إلى الصين...
كما لا بد من الإشارة إلى سيطرة اليهود على القطاعات الإعلامية والإعلانية والثقافية في معظم البلدان الغربية، وفي العديد من البلدان الأخرى أيضاً، ما يجعل من شبه المستحيل نشر أية دراسة يمكن أن تتناقض مع المواقف اليهودي في هذه البلدان، إن كانت هذه الدراسة تتعلق بحقيقة القضية الفلسطينية أو بموضوع مثل خرافة "المحرقة" التي يدعي اليهود بأنهم تعرضوا لها على أيدي الألمان خلال الحرب العالمية الثانية... إشارة أخيرة إلى أن الحقد اليهودي الحالي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية ينبع أولاً وأخيراً من أن الرئيس محمود أحمدي نجاد هو الوحيد في العالم تقريباً الذي يتجرأ على تسمية الأمور بأسمائها ويدعو إلى إزالة الكيان اليهودي في فلسطين المحتلة.
لقد سبق لنا وأن تناولنا موضوع تحديد المافيا اليهودية الإحتكارية، مع إستعراض السبل العملية التي يجب إتباعها من أجل التصدي الفعال لأعمال هذه المافيا علي نطاق عالمي شامل، (بما في ذلك بالولايات المتحدة نفسها،) وذلك عن طريق تطبيق القوانين والمعاهدات العالمية المرعية الإجراء المضادة للتنظيمات المافياية وللممارسات الإحتكارية (راجع كتبنا بهذا الخصوص، ولا سيما من بينها "اللوبي اليهودي في العالم" و"حقيقة اليهود" و"العبور الإنكساري Breakthrough")، وما نطرحه لا يتناقض البتة مع مفاهيم سائدة مثل إحترام حقوق الإنسان والحريات العامة والخاصة، بل أن العكس تماماً هو الصحيح...
الأمر الأكيد هو أن إستمرار التعاطي مع الممارسات اليهودي و"الإسرائيلية" على النحو المتبع حالياً من قبل الأنظمة العربية، وخصوصاً لجهة التمييز الماركسي السخيف بين اليهود والصهاينة أو التنديد بما يتعرض له "المدنيون الإسرائيليون" لن يوصل إلى أية نتيجة مفيدة
Comments:





