جولة بوش في الشرق الأوسط ومصلحة أميركا الحقيقية
يجمع المراقبون على أن "الجولات الشرق أوسطية" تعتبر من الأعمال التي "يجب" على كل رئيس أميركي القيام بها أثناء ولايته، وذلك منذ الجولة التي قام بها الرئيس الراحل رتشارد نيكسون في الشرق الأوسط سنة 1974 غداة حرب تشرين أول/أكتوبر 1973. وتأتي معظم تلك الجولات أواخر ولايات الرؤساء الأميركيين، حيث يقول الخبراء بأن من شأن تحقيق إنجاز ما بهذه المناسبة "تلميع" الصورة التاريخية للرئيس الأميركي قبل تركه البيت الأبيض...
وتأتي جولة الرئيس جورج بوش الإبن تأكيداً لهذه القاعدة، غير أن ما تبين من تصريحات ومواقف الرئيس الأميركي حتى هذه الساعة لا يبشر كثيراً بأن تلك الجولة سوف تلمع صورة بوش أمام الرأي العام الحالي في أميركا وخارجها، وأمام التاريخ.
ويمكن إختصار مواقف بوش بالآتي:
- التركيز على وجوب الحفاظ على "الهوية اليهودية" للكيان الصهيوني "إسرائيل" في فلسطين المحتلة.
- التشديد على "الخطر الإيراني" المزعوم، مع تضخيم الإشكال الذي زُعم حصوله في مضيق هرمز بين البحريتين الأميركية و الإيرانية مؤخراً.
- التركيز على "الحرب ضد الإرهاب" والتحالف الأميركي اليهودي بهذا الصدد، وخاصة على الصعيد المخابراتي.
ويفترض بأن هذه المواقف نابعة من حرص الرئيس الأميركي على المصلحة العليا للولايات المتحدة، وأن "التحالف الإستراتيجي" بين أميركا و"إسرائيل" ينبع من الحرص على تلك المصلحة العليا، وخاصة في ما يختص با"لحرب ضد الإرهاب".
على أن قراءة متعمقة في الوقائع والأحداث تبين الآتي:
- لقد عملت أميركا على تعزيز "الهوية اليهودية" للكيان الصهيوني "إسرائيل" منذ نشأة هذا الكيان قبل نحو من ستين عاماً، وكانت النتيجة أن الولايات المتحدة، ومعها الشعب الأميركي بأسره، بات موضع كره جميع الشعوب العربية والإسلامية، مع كل ما إستتبع ذلك من تعرض الأميركيين للإعتداءات للرد على الدعم العسكري والمالي والسياسي اللامحدود الذي تؤمنه أميركا لـ"إسرائيل". أما لجهة أن "إسرائيل" تحمي المصالح الإستراتيجية الأميركية في المنطقة، والغربية بصورة عامة، فهو قول مردود بالنظر إلى أن الشعور المعادي لأميركا قد ولد بالأساس بسبب الدعم الغربي لليهود على حساب العرب.
- بالنسبة إلى إيران، فإن الإشكالات التي قد تكون قد حصلت في مضيق هرمز لم تكن ذات أهمية خاصة، وإنما أراد بوش الإبن تضخيمها، والسبب في ذلك يعود على الأرجح إلى صدور تقرير دوائر المخابرات الأميركية حول عدم وجود أسلحة نووية إيرانية، وهو التقرير الذي نسف جميع ركائز السياسة الأميركية المعادية لإيران.
- في ما يختص بالمساعدة التي تقدمها "إسرائيل" لأميركا على الصعيد المخابراتي، فإن اقل ما يمكن قوله أن هذه المساعدة غير ذات جدوى كبيرة، بدليل أن المخابرات اليهودية أثبتت فشلها في حرب تموز 2006م. بلبنان، أو إحفاءها معلومات هامة بحوزتها يمكن أن تهم مصلحة أميركا، كما حصل سنة 1984 عندما أخفى الموساد على الأميركان معلومات كان يمكن أن تؤدي إلى الحؤول دون العملية الإستشهادية التي فجر فيها مقرا المارينز والقوات الفرنسية التي كانت متمركزة في بيروت آنذاك.
كل ذلك غيض قليل من فيض كثير مما يؤكد بأن المصلحة الحقيقية لأميركا تكمن في تغيير مسار سياستها والتخلي عن معاداة البلدان العربية؛ ويبدو أن ثمة أوساط أميركية باتت مدركة لهذه الحقيقة، بدليل صدور التقرير المخابراتي الأميركي حول الأسلحة النووية الإيرانية السابقة الإشارة إليه، حيث أن المسؤولين المخابراتيين الأميركيين الذين يرغبون فعلاً بخدمة بلدهم أميركا يعرفون أكثر من سواهم كيف غدر اليهود بالولايات المتحدة، وذلك منذ أربعينات القرن الميلادي الفائت حين سربوا أسرار التكنولوجيا النووية الأميركية إلى الإتحاد السوفياتي، مروراً بقضية الجاسوس اليهودي في سلاح البحرية الأميركية جوناثان بولارد في الثمانينات الذي باع الأسرار العسكرية الأميركية إلى السوفيات مقابل تسهيل هؤلاء لشحن اليهود الروس نحو فلسطين المحتلة، مروراً بالآونة الراهنة حيث تعددت حوادث سرقة اليهود للأسرار التكنولوجية الأميركية وبيعها إلى الصين الشعبية، علماً بأن هذه الأخيرة تعتبر الخصم الأهم لأميركا في الوقت الحاضر...
ومن المؤكد أن الحملات الإنتخابية التي تشهدها أميركا هذه السنة هي السبب في حماس بوش هذا لـ"إسرائيل" واليهود، وذلك طمعاً بكسب دعم اللوبيات اليهودية الأميركية لمرشحي الحزب الجمهوري في الإنتحابات، وخصوصاً على الصعيدين الإعلامي والتمويلي، بالنظر إلى هيمنة اليهود على القطاعات المالية والإعلامية الأميركية, غير أن الناخبين الأميركيين باتوا يدركون الخطر الذي يمثله دعم "إسرائيل" على المصالح الحقيقية للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط، وهو الخطر الذي يتمثل بالخسائر البشرية والمادية التي يمنى بها الجيش الأميركي في العراق، مع العلم بأن غزو أميركا للعراق إنما أتى رضوخاً لضغوطات اللوبيات اليهودية على الإدارة الأميركية، مع صدور تقارير كاذبة حول "مخاطر عراقية" مزعومة... فهل يؤدي هذا الوعي من قبل الشعب الأميركي لمصلحته الحقيقية إلى تبديل مسار السياسات الأميركية الخاطئة قبل فوات الأوان؟
Comments:





