من يحمي إسرائيل من ... «طائراتنا»؟
كانت طائرة التجسس بلا طيار التي أرسلها حزب الله اللبناني للتحليق فوق القرى الإسرائيلية عام 2005 تصدر صوتا قويا وتفتقر إلى الأسلحة ولا تحمل إلا آلة تصوير بدائية. لكن الرحلة المفاجئة للطائرة التي أرسلتها مجموعة «إرهابية» إقليمية أقلقت المحللين الأميركيين، الذين اعتبروها دلالة على أن المركبات المسيّرة عن بعد تقع في الأيدي غير الملائمة».
هذا ما ابتدأ به «سينغر» مقاله في النيوزويك (8-3-2010) عن خطر الطائرات بلا طيار على أميركا. مقولة سينغر هي ان الأمور تغيّرت كثيرا في العصر الرقمي. لم تعد التكنولوجيا، حتى العسكرية منها، مكلفة، ولا حتى حصرية للدول، بل اصبحت متاحة للجماعات كلها: «سهولة استخدام هذه التكنولوجيا وتكلفتها المتدنية وتوفر معظم مكوناتها للاستخدام التجاري. يعني أن الطائرات بلا طيار ستقع بين أيدي جهات غير مرغوب بها، ما سيسمح لمجموعات صغيرة وحتى أفراد باستخدام سلاح، كان مقتصرا في ما مضى، على الجيوش العظيمة في العالم».
ولتأكيد مقولته عن اضمحلال الفارق بين الجماعات والجيوش العظيمة يعطي سينغر أمثلة اضافية:
ـ رجل مكفوف يبلغ من العمر 77 عاما من كندا صمم طائرة بلا طيار اجتازت المحيط الأطلسي عام 2003 .
ـ برنامج ثمنه 30 دولارا تم شراؤه عبر شبكة الإنترنت سمح «للمتمردين العراقيين» بالولوج إلى مشاهد الفيديو التي تبثها طائرات الرصد الأميركية.
وللإضاءة على هشاشة التفوق العسكري الأميركي الحالي ينبه سينغر الى نقطتين مهمتين:
1ـ «لا أفضلية دائمة للسباقين، لا في القطاع التكنولوجي، ولا في القطاع العسكري بالتأكيد». فبالرغم من المليارات التي انفقتها أميركا على تطوير هذه الصناعة على مدى أعوام طويلة، فإن الذي يبدأ اليوم يكمل من حيث انتهت أميركا وليس من حيث ابتدأت، مذكرا بان الانكليز هم من اخترع الدبابة خلال الحرب العالمية الأولى، لكن الألمان استخدموها بشكل أفضل في حربهم الخاطفة.
2ـ الفروقات بين ما هو عسكري وما هو مدني تضمحل (لأن الشركات التي تبيع العسكر تفتش دائما عن اسواق أخرى): «اليوم، الفترة الزمنية الفاصلة بين تطوير تكنولوجيا عسكرية ونشرها على نطاق واسع تقاس بالأشهر وليس بالسنوات. فالمزارعون في بعض أنحاء العالم يستخدمون الآن طائرات بلا طيار لرش محاصيلهم بالمبيدات».
وبعدما يدعو لتقليل الاعتماد على المكونات والبرامج التي تصنع في الصين والهند مدللا كيف لم يعد هناك شيء ثابت في العالم الا الربح، يختم سينغر مقالته بالدعوة لتحسين موقع أميركا التنافسي: «كي نتفوق في هذه الثورة، نحن بحاجة إلى استراتيجية روبوتية وطنية. وهذا يعني منحا للدراسات العليا في الجامعات، وتمويلاً للمختبرات» (لاحظ كيف اختصر صناعة التكنولوجيا: السياسي يقرر ويدفع الأموال والأكاديمي ينفذ).
عزيزي القارئ، اذا كنت من الذين يتابعون مقالاتي فأظنك ستتهمني بالتكرار، وانت محق، لا سيما اذا قرأت مقالي الأخير عن الثورة الرقمية. ما من شيء قاله سينغر بالانكليزية لم اقله بلسان عربي فصيح. لكن عندما يتكلم باحث غربي من معهد بروكينغز... فان الكثيرين عندنا سينصتون.
واسمح لي بأن أكرر بعض القديم: الطائرة بدون طيار هي من منتجات الثورة الرقمية لأنها تعتبر نوعا من الروبوتات (الآلات الذكية) التي تتحرك في ثلاثة أبعاد (مثلها مثل الغواصة والصاروخ، بينما تعيش السفينة في عالم من بعدين). ويُعتبر علم الروبوتات اختصاصا فرعيا من مادة الذكاء الاصطناعي التي تدرس ضمن منهاج المعلوماتية. ومن موقع المختص، أدعي أن هذا العلم هو من العلوم السهلة، لأنه يعتمد بالأساس على برمجة الحاسوب (الذي أصبح ديكورا مكتبيا) مع بعض المكونات الميكانيكية المعروفة.
لكن الأهم في التطورات التي اتت بها الثورة الرقمية هو انتقال الثقافة والمعلومات. فلطالما كانت الثقافة الأميركية متميزة بروحية المحاولة والثقة بالنفس. ليس غريبا أن يصنع أميركي طائرة في بيته (طبعا يشتري معظم القطع المعقدة). لدرجة أن وكالة الطيران الأميركية تصدر تراخيص لهذه الطائرات بعد فحصها من قبل مفتشيها الذين يزورون الورش المنزلية للتأكد من شروط السلامة (عن قناة Discovery التي تصلني عبر البث الرقمي الفضائي). وبالطبع، اذا كنت من محبي «تيم الن» في مسلسل home improvement فستعرف أن هوايته المفضلة هي صناعة السيارات الكلاسيكية في كاراج منزله، وهذا ما يغضب زوجته «جيل» التي تجدها هواية صبيانية. أما اذا كانت هوايتك الطائرات بدون طيار وتريد صناعة واحدة في بيتك فعليك الذهاب الى موقع http://diydrones.com الذي يحتوي على كل ما يلزم للقيام بذلك.
في طفولتي أحببت هواية النجارة، فسألت والدتي عما يمكن أن أصلحه. فأشارت الى مشكلة في المهد الذي ينام فيه أخي لكونه يصدر صوتا مزعجا. ولم يكن اصلاح العطل صعبا، كان يكفي حشر عود ثقاب في القفل حتى يختفى الصوت. وعندما علمت والدتي بسهولة الحل تنهدت عميقا: «عشر سنوات من الإزعاج كان حلها بعود ثقاب!». فسألتها لماذا لم تحاول، فأجابت بعد تفكير طويل بانها لم تظن ابدا انها تستطيع أن تحل مشكلة ظنتها عمل النجار، وظنت أن ما يفعله النجار لا تستطيع أن تفعله هي.
ليست قصتنا مع التكنولوجيا مختلفة ... لا نحاول لأننا لا نؤمن باننا نستطيع أن نقوم بما يقوم به الغربي ... وغدا ربما نكتشف ان الأمر كله ليس أصعب من حشر عود ثقاب. قد أكون مخطئا وقد تكون التكنولوجيا بالفعل امرا مخيفا، لكن الحكمة تقول «اذا هبت أمرا فقع فيه، فإن شدة توقيه أشد من الوقوع فيه».
لكن، لماذا هناك صعوبة في تقبل هذه الفكرة؟ هل الأمر مجرد جهل بهذه الحقائق وبالتالي يمكن أن نأمل انه غدا عندما يقرأ السياسيون عندنا مقال سينغر، فان اسرائيل، المعتمدة في بقائها بالكامل على تفوقها التكنولوجي، ستبدأ بعدّ أيامها؟
برأيي، الصعوبات تكمن في مكان آخر: القوى التي تحكم مجتمعاتنا يناسبها التلطي وراء التنين الذي اسمه فجوة التكنولوجيا لتبرر عجزها عن رد الإهانة التي اسمها اسرائيل. قتل هذا التنين الذي لا يعرف أحد شكله ولا مكانه، هو أفضل مهر لمن لا يريد أن يزوج ابنته. ثم ان الاعتراف بالعلم والجامعات كمرجعية متفوقة في قيادة المجتمعات وصناعة أسباب القوة لها، يعني ان المتحكم ستنكشف هزالته، وستتهدد حصرية سيطرته على افكار رعيته، وسيصعب عليه سوقهم.
العلاقة بين السياسي والأكاديمي لم تكن ابدا بهذا السوء كما هي اليوم في بلادنا. فلطالما كان تقريب العلماء من البلاط وتأمين مستلزمات نجاحهم من علامات الازدهار الحضاري. ليس من الضروري أن يكون الحاكم رياضيا بل يكفي أن يحب الرياضيين. اما اليوم فإن وضع جامعاتنا المعيب، بين قطاع عام مفلس وقطاع خاص لا يأبه الا للربح، ليس تقصيرا أو ضعفا من الطاقم السياسي ... إنه نتيجة عداء وخوف حقيقيين من الذين يهددون سلطته.
في لبنان مثلا، بالنسبة للسياسيين، الطلاب الذين يتضاربون بالعصي دفاعا عن نفوذ زعاماتهم هم الطلاب الجيدون. اما الطلاب أو الأساتذة الذين يسألون الاسئلة الصحيحة عن واجبات السياسيين تجاه رعيّتهم فهم المزعِجون. الأسئلة عن لماذا لا ننتج اقتصادا يصنع بدلا من اقتصاد جنون رؤوس الأموال وفقاعة العقارات التي تمولها الدولة خدمة لأصحاب المصارف... لن تعجب السياسيين الذين يقتاتون دوما من موائد الأثرياء. وغدا، عندما تنفجر الفقاعات ويبان المرج عن مآسي اجتماعية وجروح لا تمحى، سيبرئ السياسيون أنفسهم وحاشيتهم وسيتهمون رعيتهم بأنهم «طمعوا» أو سيلومون الدولة، كأن الدولة تستطيع أن تعين حاجبا دون اذنهم.
ليس مصادفة أن لا يتحدث أكاديمي عندنا في المواضيع التي تزعج السياسي. فلن يحصل أستاذ جامعي على وظيفة ثابتة في اي جامعة (وحتى الاميركية) من دون توقيع الزعيم السياسي. والتوقيع ثمنه كبير، ومنه أن لا تقول ما يزعج الزعيم. لن يحصل مزعج على هذا التوقيع وربما سيخسر الساعات القليلة التي يعلِمها. لا بأس، سيرجع عندها الى المهجر أو يفتتح دكانا، وسيبتسم عندها السياسي مختالا... بالمناسبة، هل عرفتم «من يحمي اسرائيل من الثورة الرقمية؟» ... نعم هذا صحيح ... انه المنزعج الذي ابتسم.
Comments:





