إسـرائيل ونـظام الفصـل العنصـري فـي جنـوب أفريقيـا: صفقـات تسـلّح وبلوتونيـوم وصواريـخ «أريحــا نوويــة»
يكشف كتاب سيصدر قريباً في الولايات المتحدة قسماً آخر من أسرار العلاقات النووية بين إسرائيل والنظام العنصري في جنوب أفريقيا.
ويتحدث الكتاب على وجه الخصوص عن دور الرئيس الإسرائيلي الحالي شمعون بيريز في توطيد هذه العلاقات، وإبرام اتفاقيات بينها بيع نظام التفرقة العنصرية صواريخ «أريحا» القادرة على حمل رؤوس نووية.
ويحمل الكتاب الجديد، وفق ما نشر المراسل الأمني لصحيفة «هآرتس» يوسي ميلمان، اسم «الحلف غير المعلن: العلاقات السرية لإسرائيل مع أبرتهايد جنوب أفريقيا». وإبعاداً لتهم اللاسامية فإن الكاتب يهودي جنوب أفريقي يعمل حاليا محررا لشؤون الاستخبارات في مجلة «فورين افيرز» الأميركية، واسمه ساشا بولاكوف سوارنسكي.
ويعرض الكاتب وثائق من أرشيف جنوب أفريقيا ومقابلات مع من أدوا أدواراً مهمة على هذا الصعيد. ويصوب الأنظار نحو شخصيتين مركزيتين في العلاقة الإسرائيلية الجنوب أفريقية، وهما تاجر السلاح يان بلاو ووزير المناجم في حكومة بريتوريا ستيفانوس بوتا.
ويشير الكتاب إلى أنه في صباح يوم في مطلع نيسان العام 1975 التقى وزير الدفاع الإسرائيلي في حينه شمعون بيريز وزير الدفاع الجنوب أفريقي بيتر بوتا للبحث في تفاصيل اتفاق سري. وشكل هذا الاتفاق بداية التعاون الأمني المزدهر حتى في المجال النووي. ويكشف أنه وقع في جوهر الاتفاق صفقة لبيع جنوب أفريقيا صواريخ «أريحا» إسرائيلية قادرة على حمل رؤوس نووية. حينها أصر بوتا على أن هذه الصفقة يمكن أن تتم إذا حملت الصواريخ ما أسماه «الشحنة الصحيحة».
وبحسب الكتاب فإن أسس العلاقة بين الدولتين في المجال العسكري وضعت بين العامين 1974-1976 نتيجة لقاء مصالح جيواستراتيجية، عسكرية واقتصادية. فقد كانت إسرائيل تشعر بالمهانة إثر حرب تشرين العام 1973 التي فوجئت بها، وتلقت خسائر فادحة بشرياً واقتصادياً. أما القيادة في جنوب أفريقيا فكانت قلقة من نشوء نظام اشتراكي في موزامبيق وأنغولا المجاورتين بعد استقلالهما عن البرتغال. وهذا ما دفع بريتوريا إلى زيادة قمع الأغلبية السوداء في الدولة ما زاد أيضا من عزلتها الدولية.
ويبين الكتاب أن بيريز زار جنوب أفريقيا في تشرين الثاني 1974. وفي نهاية العام 1975 عقد لقاء بين المسؤولين في وزارتي الدفاع في الدولتين عرضت فيه إسرائيل بيع جنوب أفريقيا صواريخ «أريحا». وفي مذكرة كتبها رئيس أركان الجيش الجنوب أفريقي الجنرال آرمسترونغ حلل فيها مزايا تطوير المشروع النووي لامتلاك قنبلة نووية وبينها ردع روسيا والصين عن محاولة توسيع نفوذها في جنوب القارة الأفريقية.
وبعد ثلاثة أيام من ذلك التقى بيريز مع وزير الدفاع الجنوب أفريقي في سويسرا، ووقعا على اتفاق للتعاون العسكري. وجاء في الاتفاق أن الدولتين ستخزنان الواحدة من أجل الثانية أسلحة وقطع غيار. وتقرر أيضاً أن الاتفاق سري، ولا ينبغي كشف أمر وجوده، وأن من يعلم بالاتفاق هم فقط جهات الأمن والاستخبارات في إسرائيل وجنوب أفريقيا.
لكن الطرفين لم يكونا يعرفان أن قائد قاعدة في سلاح البحرية في جنوب أفريقيا، والذي أصبح لاحقاً مدير مكتب وزير الدفاع بوتا، ديتر غيرهارد، سرب على وجه السرعة أمر الاتفاق للسوفيات. وقد تم اعتقال غيرهارد وزوجته في العام 1982 بتهمة التجسس لحساب السوفيات، واعترف أثناء التحقيق معه بأنه كان مكلفاً بمتابعة التعاون النووي بين إسرائيل وجنوب أفريقيا.
ويشير الكتاب إلى أن المسؤول عن أمن المؤسسة العسكرية في إسرائيل يحيئيل حوريف حاول حتى بعد 30 عاماً من الاتفاق منع نشره. بل أنه طالب كتابيا السلطات في بريتوريا في نيسان العام 2006 عدم تسليم سورانسكي هذه الوثيقة، لكن المسؤولين الأفريقيين سلموه الوثيقة بعد شطب بنود معينة منها.
وفي حزيران العام 1975 عاد بيريز وبوتا للقاء في زيورخ. ومرة أخرى أثيرت مسألة صواريخ «أريحا» التي أبدى بوتا اهتماما بشرائها شرط أن تكون مزودة «بالشحنة الصحيحة». وقد ردّ عليه بيريز بأن «الشحنة الصحيحة متوفرة بثلاثة مقاييس». ويبين الكتاب أنه «يتضح من مذكرة رئيس الأركان أرمسترونغ والوزير بوتا أنهما كانا يقصدان الحصول على صواريخ أريحا مزودة بسلاح نووي».
وفي النهاية لم تنفذ الصفقة بسبب ارتفاع سعرها. ولكن الدولتين أبرمتا العديد من صفقات السلاح الأخرى، ما جعل جنوب أفريقيا المموّل لمشاريع الأبحاث والتطوير الإسرائيلية والسوق الأهم لصادرات السلاح الإسرائيلية حتى سقوط نظام «الأبرتهايد» العام 1994. إذ باعت إسرائيل لجنوب أفريقيا سفن صواريخ من طراز «ريشف» وطائرات «كفير» وقطع غيار ومحركات للدبابات ومدافع ومعدات استخباراتية بمليارات الدولارات. وساعد في ذلك الحظر الدولي المفروض على جنوب أفريقيا ما جعل إسرائيل مزود السلاح الرئيس لجنوب أفريقيا.
وبعد عامين من ذلك أعلنت الدولتان عن علاقاتهما، ووصل رئيس الحكومة الجنوب أفريقي جون فورستر إلى إسرائيل في زيارة رسمية. تجدر الإشارة إلى أن فورستر فوجئ من استقبال إسرائيل له لأنه كان معروفا بميوله النازية وقد اعتقل لهذا السبب أثناء الحرب العالمية الثانية.
بعد عام من زيارة فورستر شرعت جنوب أفريقيا بالاستعداد لتجربة نووية تحت الأرض. وعلم بالأمر غيرهارد الذي أبلغ السوفيات، الذين توجهوا للرئيس الأميركي حينها جيمي كارتر، الذي مارس ضغطاً هائلاً على بريتوريا. وجراء ذلك تعهد فورستر بوقف الاستعدادات للتجربة، لكنه لم يف بوعده وأمر الجيش ووكالة الطاقة النووية في جنوب أفريقيا بتسريع المشروع النووي.
وفي العام 1976 وصل إلى إسرائيل وزير المناجم ستيفانوس بوتا في مهمة سرية. وأدار مفاوضات حول مصير 500 طن يورانيوم زودتها جنوب أفريقيا لإسرائيل العام 1975. وباستخدام هذه الكمية أفلحت إسرائيل في إنتاج بلوتونيوم يكفي لـ12 قنبلة نووية. ووافق رئيس الحكومة الجنوب أفريقية على بيع إسرائيل 100 طن أخرى من اليورانيوم المسمّى «الكعكة الصفراء».
وكان يان بلاو شريكا لبوتا في هذه الخطوات. وكان بوتا قائداً لسرب في سلاح الجو الجنوب أفريقي وقاد خلال الحرب العالمية الثانية قاعدة جوية بريطانية في فلسطين المحتلة، وغدا صديقاً كبيراً لإسرائيل. وبعد إنهاء خدمته تحول إلى تاجر سلاح يهمه الربح. وقد نشر في جنوب أفريقيا أنه مقابل اليورانيوم حصلت بريتوريا من الدولة العبرية على 30 غراماً من التريتيوم، وهي المادة الحيوية للتفجير النووي.
وفي صباح 22 أيلول العام 1979 التقط قمر التجسس الأميركي «فيلا» وميضاً غامضاً مزدوجاً فوق المحيط الهندي. وقدر معظم الخبراء بأن تفجير نووي. وقد أكد نائب وزير الخارجية الجنوب أفريقي عزيز فهد في مقابلة مع «هآرتس» في العام 1997 أنها كانت تجربة نووية.
ويقول سورانسكي في كتابه إن هذه كانت تجربة نووية إسرائيلية، مشيراً إلى أن استنتاجه هذا مبني على تحليل وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية وعلى شهادة غيرهارد. كما استند إلى شهادة أحد كبار المسؤولين في المشروع النووي الجنوب أفريقي والتي أفادت أن بريتوريا لم تكن تملك قنبلة كالتي تم اختبارها، كما أن القنبلة التي عملت عليها جنوب أفريقيا، لم تكن جاهزة بعد.
Comments:





