هتـك الأسـرار الدوليـة... و«اتفاقيـات التعايـش»
بصرف النظر عن الأسباب والدوافع الحقيقية التي كانت وراء متواليات التصدع المستمرة في العلاقات التركية الإسرائيلية مؤخرا، فإنّ بعض التصريحات الأخيرة، أوروبية كانت أم اسرائيلية أم أميركية، تدفع الى محاولة رؤية الأحداث من زاوية أخرى. فأن يقول مصدر أوروبي مرموق، مؤخّرا، بأنّ «أوروبا أخطأت في التعامل مع تركيا بشكل فادح، ما دفعها بقوة نحو الشرق»، لهو أمر يدعو الى التأمّل.
فثمّة من يرى هناك، على ضفّتي الأطلسي، أن ما حدث، تركيا واسرائيليا، ويستمر في الحدوث، شأن يستحق أن يؤخذ على مستوى التحوّلات الاستراتيجية. ليس بالمعنى الثنائي للعلاقة بين دولتين من دول المنطقة، بل بجوهر «الفكرة الغربية»، المنشئة لدولة إسرائيل في قلب الشرق العربي، بما هي الوجود الغربي نفسه، لكن بصورة مغايرة للوجود الذي عرفه العرب، قبل نحو ألف عام، على هيئة «مملكة القدس الصليبية». ذلك أنّ الإنشاء الغربي لذلك الوجود، والتأسيس له لمدة تنوف على قرن من الزمان، توخّى أن يكون دائما ونهائيا، عبر تجاوز أخطاء الماضي التاريخية، وعلى رأسها تأمين البيئة المحلية اللازمة والضرورية لضمان استمرار وديمومة هذا الوجود. وهو ما حدث فعلا بعيد الحرب الكونية الثانية، فباستثناء المحيط العربي الذي تمّ اختراقه في أواخر السبعينيات بمعاهدة «كامب ديفيد»، فقد تمّ تأمين معظم ذلك الجوار، للوجود الغربي الدائم في الشرق، ممثلا في الدولة العبرية، بدءا من الاتحاد السوفياتي السابق، مرورا بإيران الشاه، وصولا الى تركيا المتمثلة في الأجيال الحاملة لـ «فكرة أتاتورك»، الداعية الى إدارة تركيا لوجهها نحو الغرب، على اعتبار أنّ الشرق هو سبب تخلّف تركيا السابق. وهي فكرة وجدت طريقها الى التطبيق، عبر العقود الماضية، من خلال تبنّي الدولة التركية للحروف اللاتينية في لغتها بديلا للحروف العربية، مرورا بتبنّي أساليب الحياة الغربية وقيمها، ما خلق نوعا من الانفصام، على مستوى الشخصية الوطنية التركية، وفي مجالات عديدة، والذي لا يزال مستمرا الى اليوم.
فثمّة من يرى هناك، على ضفّتي الأطلسي، أن ما حدث، تركيا واسرائيليا، ويستمر في الحدوث، شأن يستحق أن يؤخذ على مستوى التحوّلات الاستراتيجية. ليس بالمعنى الثنائي للعلاقة بين دولتين من دول المنطقة، بل بجوهر «الفكرة الغربية»، المنشئة لدولة إسرائيل في قلب الشرق العربي، بما هي الوجود الغربي نفسه، لكن بصورة مغايرة للوجود الذي عرفه العرب، قبل نحو ألف عام، على هيئة «مملكة القدس الصليبية». ذلك أنّ الإنشاء الغربي لذلك الوجود، والتأسيس له لمدة تنوف على قرن من الزمان، توخّى أن يكون دائما ونهائيا، عبر تجاوز أخطاء الماضي التاريخية، وعلى رأسها تأمين البيئة المحلية اللازمة والضرورية لضمان استمرار وديمومة هذا الوجود. وهو ما حدث فعلا بعيد الحرب الكونية الثانية، فباستثناء المحيط العربي الذي تمّ اختراقه في أواخر السبعينيات بمعاهدة «كامب ديفيد»، فقد تمّ تأمين معظم ذلك الجوار، للوجود الغربي الدائم في الشرق، ممثلا في الدولة العبرية، بدءا من الاتحاد السوفياتي السابق، مرورا بإيران الشاه، وصولا الى تركيا المتمثلة في الأجيال الحاملة لـ «فكرة أتاتورك»، الداعية الى إدارة تركيا لوجهها نحو الغرب، على اعتبار أنّ الشرق هو سبب تخلّف تركيا السابق. وهي فكرة وجدت طريقها الى التطبيق، عبر العقود الماضية، من خلال تبنّي الدولة التركية للحروف اللاتينية في لغتها بديلا للحروف العربية، مرورا بتبنّي أساليب الحياة الغربية وقيمها، ما خلق نوعا من الانفصام، على مستوى الشخصية الوطنية التركية، وفي مجالات عديدة، والذي لا يزال مستمرا الى اليوم.
إذاً، فبدايات تصدّع العلاقات التركية الإســرائيلية، الذي وصـل الى إحدى ذُراه في جريمة أسطول الحرية، أمر جـدير، غربيا بشكــل عام وأوروبيا على نحو خاص، بأن يُرى كمتغيّر استراتيــجي، في مضامين العلاقة بين الغرب والشرق التاريخية. وهو أمر بالغ الدقة والصحّة في آن معا، بل إن ذلك يكشف أحد الأسرار التاريخية لاستـمرار الوجــود الفجّ للدولة العبرية، الذي عبّر عن نفسه تاريخيا بالاستهتار بالقوانين الدولية، فضلا عن الاستهتار بقيم حقوق الإنسان وشرعتها، مستندا دوما الى من يحميه ويغطّيه في المحافل الدولية، تماما كما يحدث الآن في تداعيات العدوان على أسطول الحرية، وكما حدث، طوال أكثر من نصف قرن، في التستر الغربي على امتلاك الدولة العبرية للسلاح النووي، ناهيك بأشكال التواطؤ الغربي المختلفة، في تمكينها من امتلاك وسائل إنتاج ذلك السلاح، بدءا من الصمت ووصولا الى الصفقات السرية، التي بدأت تتكشف بعض فصولها تباعا.
ففكرة الدولة اليهودية هي شَركٌ، تمّ رميه، بعنف وخُبث، في وجه المنطقة العربية، منذ أكثر من قرن من الزمان. فالقول بالطبيعة الدينية اليهودية، لتلك الدولة، وفرض تعلّم اللغة العبرية على من يريد القدوم إليها، من اليهود، بمن في ذلك المواطنون العرب الأصليون، يخفي الجذور القومية لمشروع إنشائها المستمر، بل يخفي كذلك جوهر الصراع المتواصل في المنطقة، حتى قبل الإعلان عن تأسيسها.
ونقول ان ثمة جذوراً قومية لمواطني تلك الدولة، وليس جذراً واحداً، ما يجعل ما تم التعارف عليه بـالمشروع الصهيوني هو في جوهره مشروع استيطان، أوروبي وغربي دائم في الشرق. وربما هذا ما يفسّر التأييد الدائم والمستمر، من قبل كل الدول الأوروبية والغربية، على اختلافها، ومهما تغيرت إداراتها السياسية، لدولة الاستيطان الغربي في الشرق، وبالتحديد في الأرض المقدسة.
ومن دون انزلاق إلى مفاهيم الصراع الديني، الذي طغت مفاهيمه على جوهر الصراع في المنطقة، في العقود الثلاثة الأخيرة، فإنّ هذا المشروع الاستيطاني، بهذا الفهم، يكون هو المحاولة الأوروبية الجديّة الثانية، للاستقرار في الشرق، بعد المحاولة التي عرفت في التاريخ بـالحروب الصليبية، وسمّاها العرب في حينه بـحروب الفرنجة، تمييزاً لطابعها القومي «الفرنكي/ الفرنجي، نسبة الى فرنكيا أي فرنسا» عن شكلها الديني، التي حاولت التخفي به، برفعها للصليب رمزاً، لتحريض وحشد الشعوب المطلوب حشدها خلف تلك الحروب. وهو استقرار أوروبي في الشرق أنهاه صلاح الدين الأيوبي، كما هو معروف، وصدّ محاولاته اللاحقة المماليك، ومنعه تماماً العثمانيون، طوال أربعة قرون، حين أغلقوا مفاتيح الشرق على الأوروبيين، طيلة تلك الفترة حتى نهــاية الحرب الكونيـة الأولى، التي بدأ بها ومعها مشروع الاستيطان الأوروبي الجديد في الشرق، وفي الجغرافيا نفسها، التي استهدفتها حروب الفرنجة، مع اختلاف «خبيث» واحد، هو الشكل الديني لذلك المشروع، ومن دون أن يغيّر ذلك في طبيعة وجوهر المشروع شيئاً، بما هو استيطان أوروبي إجلائي في الشرق. وأهم أهدافه هو الاستمرار والبقاء والاستقرار، ومن ثم الهيمنة على الشرق كله، بالقوة وبالنفوذ.
ولم يكن غريباً، قبل أكثر من ثلاثة عقود، وبعد احتلال كامل فلسطين التاريخية، أن يعود جوهر الصراع إلى الانفجار مجددا، معلناً عن ماهيّته، ومنتصراً على كل الأشكال التي أريدت له، حين انتفض العرب في الجليل، في آخر آذار من العام 1976، دفاعاً عن الأرض العربية التي تتآكل بالاستيطان الأوروبي في: يوم الأرض.
ومن المفارقات، أن يكشف رئيس هيئة أرض فلسـطين، قبل نحو عام ونصف العام، في بحثٍ علمي رصين، أن مساحة قطاع غزّة، وفق اتفاقية الهدنة لعام 1949، بين تلك الدولة وبين مصر، كانت 555 كلم2، وليس 362 كلم2، كما هو متعارف عليه وشائع الآن، وأن ذلك تم باتفاقية سرية هي «اتفاقية التعايش»، بين الطرف المصري والطرف الإسرائيلي، في العام 1950، أي بعد نحو عامين على النكبة، وعام واحد على توقيع اتفاقيات الهدنة. هذا فضلاً عن المحاولات، الجارية منذ عقود، للسيطرة على أراضي النقب الخاصة، وسحبها من أيدي مالكيها من القبائل البــدوية العربية، عبر حرمانهم من شرعية وجود قراهم، والاعتراف بها. ما يمنعهم من الحصول على كل شروط الحياة المعروفة اليوم: ماء، كهرباء، طرق، ومدارس...
Comments:





